#عام_على_رحيل_الملك_عبدالله.. لازال شعلة صناعة السلام العالمي ونبراسًا للمستقبل

#عام_على_رحيل_الملك_عبدالله.. لازال شعلة صناعة السلام العالمي ونبراسًا للمستقبل

تم ـ عبدالله اليوسف ـ الرياض: تمضي الأيام سريعًا، فيعد أن كنّا بالأمس نعزي أنفسنا في رحيل صاحب الأياد البيضاء، فقيد الأمّة، الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ طيّب الله ثراه ـ نجد أنفسنا اليوم على مشارف عام انقضى، وكأنه بالأمس يغادرنا، لاسيّما أنَّ رؤاه وأفكاره وطموحاته تتجسّد يومًا بعد يوم أمام أعيننا، ليس فقط على الصعيد المحليّ وحسب، بل حتى عالميًا، وفي قضايا ما انفكت تشغر الساحة الدولية، ومنها مكافحة الإرهاب، والتنظيمات المتطرفة.

وتميّز خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بطروحاته الواضحة، وجرأته في الكثير من المواقف والرؤى. كما تمكّن من أن يضع بلاده، في أعوام قليلة من عمر الدول والشعوب، في مصاف الدول ذات الحضور السياسي والاقتصادي اللافت على مستوى العالم.

ووضع الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، بلاده قطبًا مؤثرًا في جميع المحافل الدولية. وساهمت رؤية الملك، الذي وصف بـ”رائد التنمية الحديثة ورجل القرارات الفاعلة”، في جعل السعودية رمزًا للدولة العصرية، التي تتمسك بثوابتها وموروثها الديني والثقافي، ولا تتنازل عن خصوصيتها، في حين أنها تتعامل برؤية عصرية تجعلها محط احترام كل الدول والشعوب.

صناعة السلام العالمي

ومن الصعوبة تحديد المشروع الذي يعد “درة التاج” في منظومة مشاريع وسياسات فقيد الأمة العربية، لكن يمكن الجزم بأنّ تنمية الإنسان وتأهيله لمواجهة تحديات الفقر والبطالة والانغلاق والجهل وضيق الأفق، كانت هدفًا لملك الإنسانية، وهاجسًا له منذ أن دخل معترك السياسة، إلى أن وصل إلى سدة الحكم كسادس ملوك الدولة السعودية الحديثة.

وأطلق الملك الراحل مشاريعًا لمواجهة تحديات الانغلاق والجهل وضيق الأفق، عبر مبادرات لافتة، تتمثل في الحوار الوطني، والحوار بين الأديان، وحوار الثقافات. وقد برزت أهمية المبادرة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين الأديان، الأمر الذي يعتبر تمهيدًا لصناعة السلام العالمي.

الشفافية والشجاعة والاعتدال

وعُدّ الملك عبدالله من الشخصيات النادرة في الوطن العربي، التي تتعامل مع الأحداث بكل الصراحة والوضوح والحكمة والاعتدال، والشجاعة في مواجهة المواقف، كلماته تخرج حاسمة من نفس مؤمنة بما تقول وتعتقد. كما اختصر الملك عبدالله بن عبدالعزيز نهج هذه البلاد منذ مرحلة التأسيس، عندما وضع منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد الحكم في البلاد، الأداء السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والفكري في بلاده، التي واجهت صعوبات وتحديات كبيرة بسبب ظروف وأحداث طالت الجميع، ورسم الملك ملامح سياسته الخارجية في توازن ما بين احتياجات الداخل ومتطلبات الخارج.

من مقولاته

ومن مقولات الملك الخالدة إنَّ “التاريخ علمنا أن الفترات التي شهدت وحدة الأمة هي عصورها الذهبية المزدهرة، وأن فترات الفرقة والشتات كانت عهود الضعف والهوان والخضوع لسيطرة الأعداء، ومن هذا المنطلق فإن كل جهد، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو فكريًا، يقرب بين أبناء الأمة هو جهد مبارك مشكور، وكل جهد يزرع بذور الفتنة والشقاق هو نكسة تعود بنا إلى الوراء”.

قضايا الأمّة

ويعتبر الملك عبدالله القائد المدافع عن قضايا الأمة. كما نجح بحكمته في أن يخرج علاقات بلاده والأمة العربية مع الدول الكبرى من الاختبارات الصعبة التي وضعتها أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 2001، كما نجح في القضاء على الفئة الضالة داخل بلاده، وأطلق في عاصمته مبادرة عالمية لمكافحة “الإرهاب”. ولاحق فلول تنظيم “القاعدة” داخل الجزيرة العربية بهدف القضاء على هذا التنظيم مع دول العالم الأخرى التي هي الأخرى اكتوت بناره.

وكان يُعد الملك الراحل من أثرى أثرياء العالم، إذ ذكرت مجلة “فوربس” الأميركية في نشرة لها عن أغنى الملوك في العالم، نشرت العام 2010، أنَّ قيمة ثروته تقدر بـ18 مليارات دولار. كما صنفته المجلة آنفة الذكر العام 2011 كسادس أقوى الشخصيات تأثيرًا في العالم، للمرة الثالثة.

منجزات الفقيد

وشهدت السعودية، منذ مبايعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، العديد من المنجزات التنموية العملاقة على امتداد مساحتها الشاسعة، في مختلف القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية والنقل والمواصلات والصناعة والكهرباء والمياه والزراعة، تشكل في مجملها إنجازات تميزت بالشمولية والتكامل في بناء الوطن وتنميته، مما يضعها في رقم جديد في خارطة دول العالم المتقدمة. فقد تجاوزت في مجال التنمية السقف المعتمدة لإنجاز العديد من الأهداف التنموية التي حددها “إعلان الألفية” للأمم المتحدة عام 2000، كما أنها على طريق تحقيق عدد آخر منها قبل المواعيد المقترحة.

وحمل الراحل الملك عبدالله شعار “دبلوماسية التنمية”، واستطاع بحنكته وحكمته أن يجعل من هذا الشعار واقعًا ملموسًا لخدمة اقتصاد البلاد وتحقيق التنمية في الداخل، إذ استكمل في عامه الأول من توليه مقاليد الحكم في البلاد ما بدأه منذ أعوام، عندما كان وليًا للعهد، من خلال استثمار علاقات بلاده بالدول الأخرى في مجال تبادل المصالح الاقتصادية، وعقد شراكات، وتوقيع اتفاقات اقتصادية مع الشرق والغرب.

وفتح في جولاته العالمية، أمام قادة الدول وفعاليتها السياسية ملفات دولية حساسة، لاسيما في شأن قضايا الشرق الأوسط، وما يجري في أرض العراق وفلسطين. كما تحركت الدبلوماسية السعودية لاحتواء الأزمة التي تفجرت في لبنان.

وتميّز الملك عبد الله بصراحته ورغبته في تعزيز العلاقات العربية – العربية، وإصلاح البيت العربي، كما عمل على محاربة التطرف، الذي كانت المملكة إحدى ضحاياه. وكان يدعو دائمًا إلى الوسطية في الدين والابتعاد عن جميع أنواع التطرف والغلو.

وحقق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منجزات ضخمة وتحولات كبرى في مختلف الجوانب التعليمية والاقتصادية والزراعية والصناعية والثقافية والاجتماعية والعمرانية. كما كان للراحل دور بارز أسهم في إرساء دعائم العمل السياسي الخليجي والعربي والإسلامي المعاصر، وصياغة تصوراته والتخطيط لمستقبله.

وتمكن بحنكته ومهارته في القيادة من تعزيز دور المملكة في الشأن الإقليمي والعالمي، سياسيًا واقتصاديًا وتجاريًا، وصار للمملكة وجود أعمق في المحافل الدولية وفي صناعة القرار العالمي، وشكلت عنصر دفع قويًا للصوت العربي والإسلامي في دوائر الحوار العالمي على اختلاف منظماته وهيئاته ومؤسساته.

مكافحة الإرهاب

وفي إطار تصدي المملكة العربية السعودية لظاهرة الإرهاب، ومواجهة خطاب التطرف بخطاب الاعتدال والتسامح، رعى الملك عبد الله بن عبد العزيز وقائع افتتاح المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي نظمته المملكة العربية السعودية، ممثلة بوزارة الخارجية في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في مدينة الرياض، من 5 إلى 8 شباط/ فبراير 2005، وقد دعا في المؤتمر إلى إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب، يكون العاملون فيه من المتخصصين في هذا المجال، والهدف من ذلك تبادل وتمرير المعلومات بصورة فورية، تتفق مع سرعة الأحداث وتجنبها قبل وقوعها.

السياسة الخارجية

وعلى صعيد السياسة الخارجية حرص على اتخاذ المواقف الإيجابية التي تستهدف دعم السلام العالمي ورخاء العالم أجمع، ورفاهية الإنسان في جميع أنحاء العالم، كما حرص على دعم التعاون بين الأشقاء العرب والدول الصديقة في العالم. وجاءت زياراته الكثيرة للدول العربية والإسلامية والصديقة، لتشكل رافدًا آخر من روافد اتزان السياسة الخارجية للمملكة، وحرصها على السلام والأمن الدوليين. وأجرى محادثات مطولة مع القادة والمسؤولين في هذه الدول، استهدفت وحدة الأمة العربية وحل الخلافات، إضافة إلى دعم علاقات المملكة مع الدول الشقيقة. وكانت زيارات ناجحة انعكست نتائجها إيجابًا على مسيرة التضامن العربي، والأمن والسلام الدوليين. كما تصدرت قضايا الاقتصاد والتعاون التنموي مواضيع زياراته، وفتحت آفاقًا جديدة ورحبة من التعاون بين المملكة وتلك الدول.

مواقف نبيلة

ولخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أياد بيضاء، ومواقف نبيلة تجاه قضايا الأمّتين العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث استمر على نهج والده الملك عبدالعزيز في دعم القضية سياسيًا وماديًا ومعنويًا، بالسعي الجاد والمتواصل لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني إلى العودة إلى أرضه، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وتبني قضية القدس ومناصرتها بكل الوسائل.

وفي هذا الإطار قدم الراحل، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، تصورًا للتسوية الشاملة العادلة للقضية الفلسطينية من ثمانية مبادئ، عرف باسم مشروع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، (قدم) لمؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002. وقد لاقت هذه المقترحات قبولاً عربيًا ودوليًا، وتبنتها تلك القمة. كما اقترح في المؤتمر العربي الذي عقد في القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2000، إنشاء صندوق يحمل اسم “انتفاضة القدس”، برأسمال قدره مليار دولار، ويخصص للإنفاق على أسر الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في الانتفاضة. وإنشاء صندوق آخر يحمل اسم “صندوق الأقصى”، يخصص له 800 مليون دولار، لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس، والحيلولة دون طمسها، وأعلن عن إسهام المملكة العربية السعودية بربع المبلغ المخصص لهذين الصندوقين.

وتبنى الملك مبادرات لإصلاح الأوضاع في فلسطين ولبنان والعراق والصومال والسودان وتشاد، انطلاقًا من عروبته وإسلاميته، كما نجح في رأب صدع العلاقات بين الدول أو داخل العناصر المتنازعة في الدولة الواحدة.

عربيًّا

وعلى المستوى العربي نجح الملك عبدالله في إعادة اللحمة إلى العلاقات العربية، عندما شدد أمام القادة العرب في مؤتمر القمة الذي عقد في الكويت، 19 كانون الثاني/ يناير من عام 2009، وأعلن فيه عن تبرع بلاده بمليار دولار لإعادة إعمار غزة، على ضرورة تجاوز مرحلة الخلاف، وفتح باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب دون استثناء أو تحفظ، ومواجهة المستقبل ونبذ الخلافات، مؤسسًا بذلك مرحلة جديدة في مسيرة العمل العربي المشترك، تقوم على قيم الوضوح والمصارحة والحرص على العمل الجماعي في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

إقليميًا

وعلى المستوى الإقليمي والدولي ضاعفت الدبلوماسية السعودية جهودها على الساحتين عبر انتهاج أسلوب الحوار والتشاور، وتغليب صوت العقل والحكمة لدرء التهديدات والأخطار، وتجنب الصراعات المدمرة، وحل المشاكل بالطرق السلمية. كما طرح الملك مبادرات استحق معها أن يسجل اسمه الأفضلية والأسبقية فيها، ولعل أبرزها منحه جائزة البطل العالمي لمكافحة الجوع لعام 2009م في احتفال كبير أقيم في مدينة دافوس السويسرية بمشاركة عدد من ممثلي الدول والمنظمات الدولية والشركات الكبرى.1-14

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط