“عرب وين طنبورة وين”

“عرب وين طنبورة وين”

تم ـ نداء عادل ـ مقالات: اعتادت الجدّات أن تردَّ بمثل “عرب وين طنبورة وين”، حين لا يكون هناك علاقة بين موضوع مطروح للنقاش، ونتائج يخرج بها البعض دون علم أو دراية. وهذا واقع نعيشه اليوم في المملكة العربية السعودية، إذ يخرج كل يوم كاتب بريطاني، وأخر أميركي، علينا بفقرة من الدفاع عن طهران، بطريقة مموّهة، معتبرين أنّها الضحيّة، ليروّجوا لأكاذيب الفرس، في مجالات عدة، بغية مواجهة حقيقة أنَّ المملكة باتت حليفًا ندًا، وليس حليفًا تابعًا كما كانوا يظنّون على مدار عقود.

وظهر الأربعاء، مقال تحليلي، على صحيفة “النيويورك تايمز”، روّجت له مواقع عدة، لاسيّما هيئة الإذاعة البريطانية، كتبه مايكل بيرلي، تحت عنوان “مقامرة السعودية بتخفيض سعر النفط ستكلفنا الكثير”، زعم فيه أنَّ “الرياض مصرة على إفلاس منافسيها في قطاع النفط، لاسيّما إيران وروسيا، مهما كانت الأضرار التي ستطرأ على العالم”، مبرزًا أنَّ “العائلة المالكة في السعودية، التي لطالما انتهجت نهجًا تقليديًا حذرًا، غيّرت من سياستها منذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز سدة الحكم، وأضحت تبحر بالقرب من العاصفة”.

وادّعى كاتب المقال أنَّ “الملك سلمان بن عبدالعزيز يعمل على استخدام النفط كجزء من خطة جيو- سياسية واقتصادية، بغية تدمير اقتصاد الدول المنافسة له”، لافتًا إلى أنَّ “السعودية عمدت إلى تخفيض سعر برميل النفط إلى 30 دولارًا للبرميل أي 70% أقل عما كان سعره في عام 2014، وبالتالي انخفاص سعر برميل النفط يعني أنَّ العراق لن يستطيع دفع استحقاقات جنوده الذين يقاتلون ضد تنظيم داعش”.

هنا ينطبق المثل الشعبي “عرب وين طنبورة وين”، إذ أنَّ اللف والدوران، بغية تحميل المملكة العربية السعودية وحدها مسؤولية انخفاض أسعار النفط، أمر لا يمكن أن يكون نتيجة طبيعية لما تشهده الساحة الاقتصادية العالمية، ولا هو نتيجة للقرار الأخير الصادر عن منظمة “أوبك”، بعدم خفض الإنتاج النفطي، والذي أبرز أنَّ السوق عرض وطلب.

وتناسى كاتب المقال، حين ربط بين الحرب على “داعش” وانخفاض أسعار النفط عالميًا، أنَّ التنظيم الإرهابي يعتمد على الحقول التي استولى عليها في العراق وسورية في تمويل مقاتليه، وأنَّ انخفاض الأسعار في السوق العالمي يؤدي بالنتيجة الطبيعية إلى فقد التنظيم الإرهابي أحد مصادر تمويله، لكنّ بيرلي لم يفكّر في ذلك، بل رأى أنَّ روسيا وإيران والعراق من ستضعف شوكتهم في الحرب الدائرة على الأراضي السورية، والتي يدفع المدنيّون الأبرياء ثمنها، في مدن وقرى سوريا التي يطالها القصف الروسي، بعدما طالبت بالحرية والعدالة الاجتماعية.

وأغفل السيّد بيرلي، الدور الذي تلعبه إيران، تمويلاً وتسليحًا، للمنظّمات الإرهابية في المنطقة، وما نتج عنه في العراق وسورية واليمن، من مقتل الآلاف من المدنيين، لاسيّما السنّة، بغية تصدير ثورتها، بتمويل من “الذهب الأسود”. غير مدرك في مقاله أنَّ أسواق الأسهم في روسيا والبرازيل والسعودية شهدت هبوطًا، مع تصاعد المخاوف من أن هذه البلدان، التي تعاني بشدة من انخفاض أسعار النفط، قد تجبر على الاعتماد أكثر على احتياطاتها لمنع حدوث أزمة اقتصادية عالمية.

ولم يتطرق الكاتب الأميركي، إلى أنَّ نمو الديون العامة في الدول الأوروبية والولايات المتّحدة، متواصل منذ 8 أعوام، دون النظر إلى أسعار النفط، التي لم تبدأ أزمتها إلا العام الماضي، وذلك بفعل تصاعد المخاوف بشأن آفاق نمو الاقتصاد الصيني، وانخفاض أسعار السلع، وتساؤلات بشأن إلى أي مدى ترغب البنوك المركزية في تقديم دعمها للنظام المالي لوقف هذا الانخفاض.

ولم يذكر الكاتب المتحامل على المملكة، أنَّ وجود إيران في المنطقة وتدخلها ساهما في تعقيد الأزمات، وإطالة أمدها، لاسيّما أنَّ إيران تعمل في سورية والعراق بأيدلوجيات سياسية مغلفة بالطائفية، من خلال الحروب التي تقودها بالوكالة، والتي تهدف لخضوع المنطقة تحت سيطرتها، وتنفيذ أجندتها التوسعية، مستغلة الفراغ السياسي الذي تحاول إيران ملأه.

ويأتي ذلك كلّه فضلاً عن الطرف الثاني في مقال بيرلي، “الضحية الروسية”، إذ تناسى الكاتب أنَّ التدخل الروسي في سورية زاد من معدل الهجرة بنسبة 26% بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2015. كما أنَّ دعم روسيا للحكومة العلوية قد يترك آثارًا على مواقف المسلمين في روسيا، ويدفع المزيد منهم للانضمام إلى تنظيم “داعش”، الذي ادّعى بيرلي أنّ الحرب ضده تتأثر في العراق بسبب انخفاض أسعار النفط!!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط