الإيزيديات بين جحيم #داعش ومرارة الحياة  

الإيزيديات بين جحيم #داعش ومرارة الحياة   

 

تم – متابعات : عدّ الرجل 45 ورقة نقدية من فئة المائة دولار وسلّمها في الوقت الذي كانت فيه بسمة تراقب، وخوفها يتصاعد، تلك كانت المرة الثالثة في عام واحد التي يتم فيها شراؤها وبيعها من قِبل مسلحي داعش، لكن هذا الرجل كان الأكثر رعبًا، تتذكر آسرها الجديد، قائلة “لقد بدا وكأنه وحش”، لكن عندما وضعها في السيارة، فعل شيئا فاجأها: سألها عن اسمها، ثم وعد بتحريرها.

 

تقول بسمة “قال لي: لا تخافي، لقد عشت ما تعيشينه، لقد سُجنت، وشعرت بالجوع والعطش، لا تقلقي، حتى لو كانت أمك تعيش تحت الأرض، سأجدها وأعيدك إليها”.

 

تلك اللحظة قلبت مفهوم بسمة لعالم كان بالفعل مقلوبًا رأسًا على عقب، آسرها كان أحد أفراد داعش التي هاجمت قواتها موطنها العراق والدولة المجاورة، سورية، وسيطرت على مساحة واسعة فيهما.

 

إنها من الإيزيديين ـ أتباع ديانة توحيدية قديمة تصف داعش أتباعها بالكفرة ـ الذين لفتوا انتباه العالم عندما اقتحم المتطرفون معقلهم في مقاطعة سنجار العراقية في عام 2014، أكثر من 200 ألف إيزيدي تمكّنوا من الفرار، لكن نحو خمسة آلاف منهم، مثل بسمة، تم القبض عليهم واسترقاقهم، وتم اغتصاب كثير من النساء اللواتي تم أسرهن، وذبح مئات إن لم يكن آلاف الرجال.

 

لكن كما تُظهر قصة بسمة وغيرها من النساء، حتى في ظل حكم داعش القاسي، فإن عددا متناميا من الناس خاطروا بحياتهم على مدى العام الماضي لمساعدة الإيزيديين على الفرار، لقد تمكّن نحو ألفي شخص من الهرب، سواء وحدهم أو بمساعدة آخرين، وذلك وفقاً لمجموعات مؤيدة للإيزيديين، لحماية أولئك الذين مازالوا في الأسر، وأولئك الذين يعملون من أجل تحريرهم، تم تغيير الأسماء في هذه المادة وبعض الأماكن لا يُمكن تحديدها.

 

أولئك الذين يُساعدون هم جزء من منظمة واحدة، لكنهم أفراد، حوافزهم تعكس أفضل وأسوأ ما في الدوافع البشرية، بعضهم من مسلحي داعش أنفسهم، يعملون مع خلايا سرية لتحرير الأسرى، ومعظمهم يعمل وحده، متى وجدوا فرصة سانحة لتحقيق مكاسب مالية من خلال تحرير الأسرى وإعادتهم إلى عائلاتهم مقابل فدية تبلغ عشرات الآلاف من الدولارات، وهناك عدد قليل نادر من الغرباء الذين يدفعهم خيار المساعدة، وهم يفعلون ذلك لأنهم يستطيعون.

 

تحدثت بسمة معنا لأول مرة في أغسطس الماضي في مخيم لاجئين مترامي الأطراف في إقليم كردستان شمالي العراق، كانت الصراصير تزحف على الجدران المتداعية خلفها، حين قدّمت قطعا من الشكولاتة لشراء صمت أطفالها عندما قفزوا إلى حضنها، قالت بسمة “لم أكن أخشى الموت بقدر ما كنت أخشى فقدان أطفالي، هذا كان قدري، العالم كله يعرف أن هذا خطأ، وأن الله لن يقبل هذا الظلم، لكن كان أمرًا مُقدّرًا”، لا تستطيع التخلص من ذكريات ما تعرّضت له خلال عامها في أسر داعش، ولا تستطيع التوقف عن التفكير بشأن أشقائها وزوجها، الذين لا يزالون مفقودين، وتحيط عينيها هالات سوداء من الليالي الطويلة بلا نوم.

 

قبل غزو داعش لم تكن بسمة قد غادرت سهول سنجار المتموّجة، إنها أميّة، وابنة وزوجة لمزارعين فقراء، في الأسبوع الأول من أغسطس 2014، دخل المسلحون واقتحموا القرى وألقوا القبض على كل من يُمكن إيجاده، هرب الإيزيديون الذين يعيشون في قرى مجاورة على الطريق المتعرج نحو إقليم كردستان على طول جبل سنجار، وهو موقع مُقدّس للأيزيديين أصبح بمثابة مصيدة مرعبة، لأن العديد تقطّعت بهم السبل هناك لأشهر عدة، بالنسبة لبسمة كان بداية كابوسها كإحدى سبايا داعش.

 

في قرية مجاورة، ليان، وهي امرأة أيزيدية أخرى، تم إلقاء القبض عليها أيضاً من قِبل مسلحي داعش، ليان (24 عامًا) غير متزوجة وكانت تساعد والدتها في رعاية إخوانها الأربعة الصغار، والدها وشقيقها الأكبر كانا خادمين في بيت أحد رجال الأعمال الأكراد في مدينة دهوك، التي تقع في أقصى شرق إقليم كردستان العراق، تقول عندما هاجمت داعش “المقاتلون وضعونا في مبنى كأنه مدرسة، كان هناك عديد منّا – رجال، ونساء، وأطفال، قالوا: هاتوا كل الأموال التي لديكم، حتى ساعاتكم وهواتفكم الخليوية وسياراتكم، عندما أخذوا منّا كل شيء في البداية، قالوا “اجلبوا أغراضكم، ستذهبون إلى كردستان”.

 

في نهاية المطاف، تم فصل الرجال عن النساء، وتم أخذ أشيائهم الثمينة، تتذكر ليان المراقبة من أعلى السلالم، حين تم وضع الرجال في السيارات وأخذهم بعيدًا، هذه هي اللحظة حين اعتقدت أنه تم أخذ إخوانها إلى حتفهم، “عاد صبي إلى والدته وقال: داعش أخذت جميع الرجال ويقولون إنهم سيقتلونهم جميعاً، لقد أخبروني أن أعود لأنني صغير جداً، تم نقل ليان مع مجموعة من النساء الأخريات عن طريق حافلة حتى وصلوا إلى سورية، في تلك الأيام الأولى، أدركت ليان أول مرة ما كان يحدث عندما جرّ أحد المسلحين فتاة مراهقة من الغرفة حيث تم احتجازنا واغتصبها، “لقد عادت تنتحب، وقالت إن حياتنا قد انتهت”، بعد أسابيع من نقلها بحافلة من بلدة إلى بلدة، تم أخذ ليان إلى قاعة كبيرة حيث يوجد مجموعة من الرجال كانوا يشترون ويبيعون النساء الإيزيديات، تم بيعها إلى “أمير” من كازاخستان وعملت خادمة في منزله، تقول إنه لم يهتم بممارسة الجنس معها، لكن هذا لم يوقف زوجتيه الاثنتين من تعذيبها.

 

استمر اضطهادها بطرق مختلفة، ذات مرة تم منعها من الاستحمام لأشهر عدة، ومرة حجبتا عنها الطعام، تقول: “لم أستطع حتى الذهاب إلى الحمام، كان عليّ الحصول على إذن من أجل استراحة للذهاب، لم يكُن بإمكاني الأكل – كانتا تعطياني الطعام عندما تريدان ذلك، كنت أبكي كل ليلة من أجل عائلتي، وكانتا تضرباني وتقولان: أنت لا تستطيعين قراءة القرآن، أنت لست جيدة، لماذا تبكين على عائلتك الكافرة؟”.

 

على الرغم من كونها أسيرة، إلا أنه كان يُسمح لليان بمغادرة المنزل للذهاب إلى السوق وفي بعض الأحيان زيارة إحدى بنات عمها التي اشتراها متطرف يعيش في مكان قريب، لكنهما كانتا تخشيان مجرد التفكير في الهرب، الأمر الوحيد الذي منح ليان الشجاعة كان عائلتها، كانت قد فاجأت حتى نفسها عندما واجهت الأمير مراراً وتكراراً حول شكوكها في أن داعش ذبحت الرجال الإيزيديين، تقول: “كنت خائفة، لكن الأهم من ذلك أني أوذيت، سألته: لماذا قتلتم إخوتي؟ كان يقول: إنها مشيئة الله، لم يُنكر الأمر أبداً”.

 

في أواخر صيف عام 2015، التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش كثف عملياته في المنطقة التي توجد فيها ليان، فأجبرتاها على أن تحفر لهما ملجأ تحت الأرض، بعد ثلاثة أيام من العمل الشاق، انهارت، “قامتا بركلي وقالتا: إذا كنت لا تريدين فعل أي شيء، اخرجي، إلى أين يُمكن أن أذهب؟ فأنا لم أعرف أي أحد”، حتى عندها، بدلاً من محاولة الهرب، أول خطوة لها كانت البقاء مع ابنة عمها، بعد يوم من ذلك، جاء خاطفوها لإعلامها أنه سيتم بيعها هي وابنة عمها لكونهما “صعبات الإرضاء”، تقول: “أخبرت [ابنة عمي] أننا بحاجة إلى الهرب، إذا تم بيعنا، لن نعرف ماذا سيحدث لنا، بعد ظهر اليوم التالي، عند الساعة الثانية بعد الظهر، خرجنا كما لو أننا ذاهبتان إلى السوق، لكن بدلاً من ذلك واصلنا السير، تماماً إلى خارج المدينة، وأخيراً، وجدنا بعض الخرفان وبعض المنازل القديمة القذرة وركضنا نحوها”.

 

قالت إنهما تردّدتا للحظة، افترضتا، بحق، أن القرية الواقعة على الحدود السورية موطن عرب من السنّة، وخشيتا أن يكونوا من المتعاطفين مع داعش ويعيدوهما إلى خاطفيهما، كان طلب المساعدة من الرعاة بمثابة مخاطرة، لكن مع وجود قليل من الخيارات الأخرى، تقدّمتا بسرعة.

 

تم الترحيب بهما بالدموع والعناق: “لقد قبلوا جباهنا وقالوا، :أنتما مثل بناتنا، ابقيا هنا، نحن لن نسلمكما إلى داعش، وبقينا لمدة 35 يوما، بسبب هؤلاء الناس الطيبين كنت قادرة على العثور على عائلتي”.

 

طريق بسمة إلى الحرية كان أكثر تعرّجاً، مثل ليان، تم نقلها بحافلة هنا وهناك، وأخيراً تم وضعها في مكان كبير حيث قيل لها إن النساء هناك تم شراؤهن من قِبل “الوالي”، المعين من داعش، الذي بدا أنه يُمارس أعمال شراء وبيع الأسرى الإيزيديين من أجل الربح، بسبب وجود أطفالها الأربعة، قالت إنها كانت مرغوبة بشكل أقل وأمضت هناك بضعة أشهر قبل أن يتم شراؤها من قِبل اثنين من المسلحين الشباب، جنباً إلى جنب مع عديد غيرها من النساء الشابات.

 

قالت: “لقد تم حبسنا في منزل وكان الرجلان يأتيان كل عشرة أيام ويجلبان لنا الطعام، كان لديهما كثير من البودرة والحبوب، في بعض الأحيان كانا يُجبران الفتيات على أخذها”.

 

بعد بضعة أشهر، تمت إعادة بيع بسمة إلى الوالي، مع أنها لم تعرف السبب أبداً، هذا كان عندما اشتراها مسلح عراقي تدعوه أبو ليث، لقد أمضت آخر شهرين من فترة أسرها مع الرجل الذي أصبح خاطفها، ومُعذّبها، ومحرّرها في الوقت نفسه، لم ترغب في مناقشة الاغتصاب بشكل مباشر، مُكتفية بالقول: “لم يكُن هناك شيء لم يفعله، إلا أنه لم يضربني”، تم احتجار بسمة في منزل مع صبي أيزيدي يبلغ من العمر 14 عاماً، كان أبو ليث يحتجزه أيضاً ويُدرّبه على مهنته: صناعة القنابل، “كانوا يصنعون شراكا طائشة، وأحزمة ناسفة، وقنابل سيارات (،،،) كان أبو ليث يُحب جلب الصور ليُريني، عندما كان يذهب إلى العمل، كان يقول، ’سأكون في هذا المكان‘، ولم يتم إغلاق بابي أبداً، وكان يترك لنا محفظته مليئة بالمال في حال احتجنا أي شيء”.

 

هذه اللفتات المتضاربة من اللطف والقسوة ربما كانت انعكاسا للأحداث التي كانت قد شكّلت حياته، تقول بسمة إنه غالباً ما يتحدث إليها عن سجنه عندما كان شاباً من قِبل القوات الأمريكية خلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، ثم في وقت لاحق من قِبل المسلحين الشيعة أثناء النزاعات الطائفية الوحشية في البلاد، “كان يقول: لقد عشت في مكان رهيب جداً، بين يدي الأمريكان والشيعة، كانوا يضربونني، أعرف أن كل ما قاله كان صحيحاً، لهذا السبب أخذني إلى عائلتي”.

 

إذا كان سجنه الماضي قد جعله متعاطفاً مع محنة بسمة، فربما ذكريات تعذيبه هي التي جذبته إلى داعش، تقول: “كان يُخبرني أن داعش هي عائلته الآن”، اشترى لها هاتفا خلويا وكان يذهب بها إلى مناطق حيث يوجد إرسال حتى تتمكن من الاتصال بعائلتها في كردستان العراق.

 

لكن بعد قضاء بضعة أسابيع مع بسمة، بدأ أبو ليث يتراجع عن وعده بتحريرها: “بدا أنه أحبني كثيراً، لذلك تحدّث إلى عائلتي وقال: إنها أفضل من أن تعود إلى المرتدين، سأرسل أطفالها فقط (،،،) وقلت له ’لن تُبعدني عن أطفالي، إذا أرسلتهم من دوني، سأقتلك وأقتل نفسي‘، كان دائماً يحتفظ ببندقية تحت وسادته وهو نائم، أنا لم أرد إلحاق الأذى به، لكنني أخبرته أنني سأحاول إذا فصلني عن أطفالي”.

 

بعدها بدأ أبو ليث الإصرار على فدية بقيمة 60 ألف دولار، أخيراً قبل مبلغ 20 ألف دولار عندما قال أقرباؤها إن ذلك كل ما تمكّنوا من جمعه.

 

مع النقود أو من دونها، قالت بسمة إن مجازفة أبو ليث كانت كبيرة، “داعش لم تعرف، ولا حتى غيرها من الفتيات [الإيزيديات] في المنطقة عرفن، إذا عرفت داعش أنه سيُرسلني إلى عائلتي، سيقطعون رأسه”.

 

في إحدى الليالي في حزيران (يونيو) 2015، هزّ أبو ليث بسمة لإيقاظها وطلب منها وضع أطفالها في السيارة، “قال لي: تعالي، تقول عائلتك إن الوقت قد حان، لم أستطع تصديق الأمر، سألته، هل هذا يحدث فعلاً؟ قال: نعم”، وقاد أبو ليث السيارة خلال الليل إلى مدينة سورية على بُعد بضع ساعات، ووضعني على مفترق طرق بالقرب من الطريق السريع، “وطلب مني الوقوف هناك، حيث سيأتي أحدهم لأخذي، استمررت في التساؤل، ماذا لو لم يأت أحد؟”.

 

لا يزال والد ليان، سمير، يحتفظ بالرسائل الصوتية التي أرسلها له الراعي الذي أسكنها وابنة عمها في منزله، كان ذلك في تموز (يوليو) من عام 2015 عندما أتسلم رسالة صوتية من رقم مجهول، يسأله ما إذا كان يفتقد أحدا، “قلت، نعم أنا كذلك”، وطُلب منه ذكر أسماء جميع أفراد عائلته، يقول سمير “لقد فعلت، وقال، هذا صحيح، ثم أرسل إلي رسالة بصوت ليان تُخبرني أنها تفتقدني وأنها بخير”، مُعيداً تشغيل رسالتها الأولى حتى أسمعها، لقد ضحك الاثنان أثناء إعادة تشغيلها والدموع في عيونهما.

 

لأن قريته ليس فيها إمكانية استقبال هاتف أو إنترنت، كان الراعي يذهب إلى مدينة قريبة لإرسال رسائل ليان إلى سمير، ومن ثم يعود في اليوم التالي لتحميل الردود الصوتية، بعد بضعة أسابيع ذهب إلى المدينة ليعثر على منشورات بـ “مطلوبين” عليها صورتا ليان وابنة عمها، عندها أخبر سمير أن الوقت كان قد حان للمخاطرة بنقلهما، واقترض سمير 12 ألف دولار من صاحب عمله لإخراج الفتاتين، “اضطررت للدفع لأحد المهربين لينقل ليان وابنة عمها عبر الحدود من سورية إلى تركيا، جميع الأموال لذلك فقط”، ويهزّ رأسه.

 

الراعي الذي أسكن الفتاتين في منزله ونقلهما بسيارة عبر سورية للوصول إلى ملتقاهما لم يطلب أبداً الحصول على تعويض، استخدم بطاقات التعريف الخاصة ببناته لتمريرهما عبر نقاط تفتيش داعش، “كان المقاتلون يوجّهون الضوء على وجوهنا وعلى بطاقات التعريف، في إحدى المرات، قال أحدهم، :هؤلاء لسن بناتك، إنهما لا تستطيعان التحدّث بالعربية”، لكن ليان تمكّنت من الكلام والقول، “لا أنا ابنته، أنا آسفة، لقد كنت مريضة ونائمة فقط، وسمح لنا بالعبور”، لقد كانت معجزة صغيرة: ليان تتحدث العربية بشكل ضعيف – مثل جميع الإيزيديين، لغتها الأصلية هي الكردية.

 

أرسل سمير أحد الأقارب ليدفع إلى المهربين لأخذ ليان وابنة عمها من الحدود السورية، وإدخالهما إلى تركيا ومساعدتهما على الوصول إلى إقليم كردستان العراق، لقد أرسل هدية إلى الراعي، يبتسم سمير قائلاً: “لقد أرسلت له هاتفا خلويا من نوع جالاكسي 4، أنا لا أعرفه لكنه لا يزال يُرسل لنا الرسائل ويتصل في بعض الأحيان، أنا أشعر أنه رجل جيد”، بسمة تشعر بطريقة مختلفة بشأن أبو ليث، أصبحت مقتنعة أن المال كان الدافع الرئيس، لكن هذا لم يُقلل من امتنانها لمجموعة من مسلحي داعش الذين جاؤوا بسرعة لأخذها وأطفالها من على جانب الطريق في الليلة التي تركها فيها، تقول: “لقد خبأوني حتى جاء المهربون لأخذي إلى تركيا ومن هناك إلى كردستان، أنا لا أعرف إذا كانوا يفعلون ذلك من أجل المال، أبو ليث دفع خمسة آلاف دولار من المال إلى المهربين على طول الطريق (،،،) لكنني لا أعرف إذا كان قد حصل هؤلاء الرجال على بعض منه”.

 

في الأسابيع التي تلت هروبها، راودت بسمة في البداية مشاعر متضاربة تجاه أبو ليث وماذا كان يعني بالنسبة لها حتى، تفاجأت بمكالمة من رقم مجهول، لقد كان أبو ليث، وتذكر “قال: بسمة! أنا أفتقد صوتك وأطفالك، وأريد أن أعرف إن كنت بخير، إن كنت سعيدة، قلت: ليس هناك داع لتسألني، يا أخي، لا يُمكنك أن تسأل عن أحوالي بعد أن ربحت 15 ألف دولار، عندما أرى الناس هنا مع عائلاتهم، أعرف ماذا حدث لي، كل جروحي تنزف”، وقالت إن كان فعلاً يهتم لأمرها، بإمكانه مساعدتها على العثور على أشقائها وزوجها، لقد وعد أبو ليث بذلك إن نجا من المعركة التالية – كانت القوات الكردية بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تشن هجمات جديدة في سورية والعراق.

 

أبو ليث لم يتصل مرة أخرى، ولا تعرف بسمة إن كان قد نجا من هجمات قوات التحالف، لكن الآن تقول إن مشاعرها تجاهه واضحة، “لو اتصل بي الآن وقال: أشقاؤك هنا، تعالي خذيهم إلى البيت، لا يُمكن أن أذهب، إنه ليس رجلا – إنه وحش”.

 

في نوفمبر، استعادت قوات البشمركة الكردية في العراق منطقة سنجار، السيارات المقلوبة والملابس القديمة تنتشر على طول جبل سنجار مثل نصب تذكاري عرضي لأولئك الذين تشردوا وقتلوا والنساء والأطفال المُقدّر عددهم بثلاثة آلاف، الذين لا يزالون في قبضة داعش، لكن على الرغم من أن داعش خرجت من سنجار بالقوة، إلا أن بسمة وليان لا ترغبان في العودة.

 

ليان ووالدها الآن مع رجل الأعمال الذي يعمل لديه والدها، يعيشان في غرفة صغيرة داخل مرآب منزله، حيث هناك مصعد يؤدي إلى غرفة معيشة مذهبة في فيلا ضخمة، سمير يحتاج إلى أعوام لسداد القرض، لكنه يدفع ما يستطيع كل شهر، شيئًا فشيئًا.

 

كل من ليان وبسمة وصفتا الشعور بالضياع لدى تقديمهما طلبا جديدا للحصول على بدل فاقد لبطاقتيهما التعريفيتين وجوازي سفرهما المفقودين، بغية الحصول على لجوء إلى أوروبا، قالت بسمة، عندما تحدّثنا في نوفمبر الماضي: “ينبغي أن يبدو الأمر كما لو أنه جنة أن تكون حرّاً، لكن بدلاً من ذلك واجهنا كل هذا العمل الورقي الذي يجب تعبئته، وهذا كله يُكلّف مالاً لا نملكه”.

 

كانتا بحاجة إلى وثائق الهوية الوطنية حتى تتمكنا من تقديم طلب للحصول على جواز سفر، “يتم إصدار أوراقنا على أساس جنسية الزوج أو الوالدين، لكن في حالتي، لم يعُد لهما وجود الآن”، بعد أشهر من التنقل ذهاباً وإياباً، واقتراض المال من الأقارب لأخذ حافلة من مخيم اللاجئين إلى المكاتب الحكومية في مدينة دهوك الكردية، حصلت أخيراً على المساعدة من أحد رجال الأعمال الإيزيديين، الذي أعطاها المال وأسماء مسؤولين في بغداد لرشوتهم من أجل الحصول على أوراق جديدة، بعد ذلك أخذت الحافلة في رحلة استمرت ساعات طويلة إلى العاصمة العراقية، قالت: “لقد مررت تماماً عبر منطقة داعش، كنت خائفة لكنني عايشت داعش بالفعل، لذلك ماذا هناك غير ذلك لأخشاه؟ الشيء المهم هو الخروج من هذه البلاد لأنني لا أشعر بالأمان”.

 

في البداية، لم ترغب ليان بمغادرة العراق، عندما ذهبت إلى المكتب الكردي العراقي الذي تمت إقامته لتوثيق الضحايا الإيزيديين لداعش، طلبت المشورة حول كيفية الحصول على علاج نفسي، تقول: “في البداية لم يفعلوا أي شيء، فقط أخذوا عينة من دمي لأنهم كانوا يحاولون مطابقة الحمض النووي الخاص بنا مع الجثث التي يعثرون عليها في المقابر الجماعية، واصلت القول: أنا بحاجة إلى العلاج، وأخبروني أن هناك شخصا ما سيُساعدني، وأخيراً حصلت ليان على العلاج النفسي من قِبل أحد العاملين الأميركيين في المجال الإنساني في الشتاء الماضي، “كان الأمر بلا فلائدة، لقد كرهته، لم يفعلوا شيئا سوى أخذنا لمدة عشرة أيام وجعلونا نرسم صوراً عن مشاعرنا وطرح كثير من الأسئلة، لم يُعجبني الأمر”.

 

وقررت ووالدها الشهر الماضي أنهما أيضاً سيحاولان الهجرة إلى أوروبا، لكنهما سينتظران أولاً معرفة مصير إخوانها ووالدتها، حتى الآن لم يسمعا أي شيء، في يوم ما، تأمل ليان العودة إلى سورية لزيارة الراعي الذي أنقذ حياتها، تقول “هناك صلة بيننا الآن (،،،) أنا أحب هذ الشخص، في يوم ما، عندما تختفي داعش، سوف أعود”، من جانبها، لا ترغب بسمة في رؤية سورية أو العراق أبداً، لقد تمت الموافقة أخيرا على طلب اللجوء الخاص بها، وفي 25 كانون الثاني (يناير) الماضي أخبرتنا أنه تم نقلها مع أطفالها للذهاب إلى ألمانيا، ستترك وراءها والدتها في مخيم اللاجئين في كردستان وشقيقة لا تزال محاصرة في مدينة الموصل التي تُسيطر عليها داعش، في الوقت الذي تُناقش فيه القوات العراقية والدولية خططاً لمهاجمة المدينة، “من الخطير جداً في الوقت الحالي محاولة إخراجها، ونحن لم نتمكن من الحصول على المال لشراء خروجها، المقاتل الذي يحتجزها قال إنه سيؤجل بيعها حتى يتوافر لدينا المال”.

 

وفي يوم ما، تأمل بسمة أن تتبعها شقيقتها ووالدتها إلى ألمانيا، إنها ليست متحمّسة على الإطلاق بشأن آفاق العثور على حياة جديدة في أوروبا، وتعرف أن عديدا من العقبات الخاصة بتعلّم اللغة والعادات الجديدة في انتظارها، “مجرد التفكير في الأمر يُخيفني، لكنني سأفعل ذلك على أي حال، من أجل أطفالي”.

 

تقول إن كل ما تبقّي لها في سنجار قرية نصف محترقة وذكريات أشخاص تخشى أنهم لن يعودوا إلى المنزل، “أنا ليس لدي منزل، ولا زوج، ولا شقيقة، ولا أصدقاء، ما هي روعة هذا العالم، كونك حرا من داعش، إذا لم يكُن لديك أحد يتشاركه معك؟”.

 

 

تعليق واحد

  1. حسبنالله ونعم الوكيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط