مزايدون من “8 آذار ” يبشرون اللبنانيين بسوق العمل الإيرانية كبديل للخليجية

مزايدون من “8 آذار ” يبشرون اللبنانيين بسوق العمل الإيرانية كبديل للخليجية
تم – بيروت : ظهرت خلال الفترة الأخيرة أصوات عدة بين الشرائح الموالية لقوى الثامن من آذار ترفع شعار الاستعاضة بإيران بديلا عن الدول العربية داعية الجالية اللبنانية المقيمة والعاملة في دول الخليج العربية إلى التوجه للعمل في إيران ردا على أي إجراء عقابي قد تقوم به هذه الدول لردع ممارسات حزب الله وحلفائه الساعية لمصادرة قرار الدولة اللبنانية ووضعه في إطار يخدم المشروع الإيراني في المنطقة.
ومن الأفضل لهذه الأصوات التروي قليلا والتوقف أمام ما تقدمه إيران، للطاقات والقدرات البشرية سواء كانوا من الإيرانيين أو غير الإيرانيين، فعدد اللبنانيين المقيمين في إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 لا يتعدى الألف لبناني، يقلون أو يزيدون قليلا، موزعين على ثلاث فئات لا غير، الفئة الأولى وهي بحسب تقرير لـ”العربية. نت”، طلبة العلوم الدينية مع عائلاتهم وهؤلاء وجودهم محصور في مدينة قم مركز الحوزة العلمية الدينية، ولا يحق لهم، ضمن شروط منحهم حق الإقامة، ممارسة أي عمل خارج إطار التحصيل العلمي، ومجموعهم في آخر إحصاء لبناني قام بها مكتب ممثلية حزب الله في إيران، وأيضا الجهات الرسمية الإيرانية، وصل بين عامي 2005 و2006 إلى نحو 350 عائلة.
وعلى الرغم من هذا العدد للعائلات اللبنانية لأشخاص يقوم رب الأسرة فيها بمهمة محددة هي دراسة العلوم الدينية، لم يكن لهم الحق في افتتاح مدرسة خاصة بأبنائهم وكان يفرض عليهم إدخال أطفالهم المدارس الإيرانية في مدينة قم، إلا أن وساطات قام بها مكتب حزب الله أثمرت في النهاية السماح لإحدى المدارس التابعة للحزب في لبنان بافتتاح فرع لها في مدينة قم مخصصة للطلاب اللبنانيين، ولم يسمح ولا يسمح للطلبة من غير اللبنانيين الانتساب لها إلا بعد مراجعات وعذابات طويلة مع الجهات الرسمية الإيرانية.
هذه الشريحة اللبنانية في مدينة قم، تعتبر شريحة غير منتجة اقتصاديا، بل إنها تعيش على عاتق المؤسسة الدينية الأم، وعلى ما تقدمه المرجعيات الدينية من “شهريات” من الحق الشرعي الذي يصلها “الخمس” وتعمل على إنفاق جزء منه على هؤلاء الطلبة، ما يعني أن مستوى معيشتهم من المفترض أن يكون في الحد الأدنى.
وهذه الشدة والعوز الذي يعيش فيها طلبة العلوم الدينية تجبرهم على طلب المساعدة المالية والاقتصادية من أهاليهم في لبنان أو من أهالي زوجاتهم، أو ما يتوافر من دعم مالي من قبل مؤسسات دينية أو حزبية في لبنان تساعدهم على سد احتياجاتهم، ما يعني أن الغالبية العظمى منهم وهم من أولاد عائلات فقيرة أساسا في لبنان مخيرون أو مجبرون على إعلان ولائهم لجهة سياسية محددة، وهنا لا يجدون أمامهم سوى مرجعية حزب الله الذي يقوم على دعمهم اقتصاديا وماديا ومعنويا، إضافة إلى انضوائهم تحت عباءة الدعاة إلى مرجعية مرشد النظام الإيراني ولي الفقيه خامنئي وبالتالي يجعلهم ذلك في زمرة المرضي عنهم مقابل الولاء.
أما الفئة الثانية فهي طلاب الجامعات الإيرانية، والذين استفادوا من نظام المنح الذي خصصته الدولة الإيرانية لتعليم طلاب عرب وأجانب في إطار مشروع ورؤية يشرف عليها إلى حد كبير حرس الثورة الإيرانية، ومن المعروف أن أول دفعة من الطلاب “الشيعة” اللبنانيين وصلت إلى العاصمة الإيرانية طهران كانت في السنتين الأخيرتين من العهد الملكي أيام الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت نتيجة لعلاقة خاصة مع الشخصية السياسية اللبنانية الشيعية من مدينة صور كاظم الخليل، وقد استطاع هؤلاء الطلاب الذين لم يتجاوز عددهم العشرة حينها، أن يكملوا دراستهم الجامعية بشق الأنفس، خاصة وأن الجهات الرسمية الإيرانية وبعد انتصار الثورة، عمدت أولا إلى توقيف الدراسة في الجامعات بانتظار إعادة النظر في المناهج التعليمية.
وبعد انتصار الثورة، وقيام الجمهورية الإسلامية، وفي أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، قررت وزارة التعليم العالي الإيراني بالتنسيق مع الخارجية وبإشراف من حرس الثورة فتح باب استقطاب طلاب من لبنان، فكان قرار الإعلان عن مئة منحة دراسية في الجامعات الإيرانية، خصص منها عشر منح لطلاب من حركة أمل بقيادة نبيه بري، وتسعون منحة خصصت لما كان يسمى “التعبئة الطلابية في حزب الله، وفي المجمل، فإن مجموع المنح التي حصل عليها اللبنانيون الشيعة من إيران لا يتجاوز وعلى مدى أربعة عقود من الزمن 400 منحة، 97,5% منها كانت من نصيب طلاب حزب الله.
والطالب الأجنبي في إيران، لا يسمح له بالعمل في أي وظيفة، كما هو مشروط في الختم الذي يرافق منحه حق الإقامة، ويرتفع هذا التشديد إذا ما كان العمل في إحدى المؤسسات الرسمية في الدولة الإيرانية، أما الطالب الذي يسعى لتحسين وضعه المادي، وتحقيق مداخيل مالية إضافية على المنحة التي تعطى له من وزارة التعليم العالي والتي لا تتعدى في أفضل الأحوال 50 دولارا في الشهر، فقد كان يتم استدعاؤه إلى وزارة التعليم ويوضع أمام خيار الابتزاز بين التعامل مع المؤسسات الأمنية مقابل التغاضي عن عمله في أي قطاع أو يهدد بسحب “إقامة الطالب” منه وإصدار إقامة عمل جديدة له، ما يعني فرض رسوم مالية إضافية عليه، وتعرضه الدائم للاستجواب والاستدعاء من قبل الجهات الأمنية إضافة الى المماطلة في تجديد إقامته.
والفئة الأخيرة هي اللبنانيون من خارج دائرة حزب الله، وهم مجموعة من المهندسين والخبراء التقنيين، من طوائف متعددة لبنانية مسيحية وإسلامية، إلا أن دخولهم إلى سوق العمل في إيران لم يكن بشكل مباشر، بل من خلال عملهم مع مؤسسات دولية أوروبية تحديدا، مثل شركة سيمنز واريكسون وغيرها من شركات النفط والاستشارات الدولية، وتقوم الشركة الأم بانتدابهم للعمل في إيران بناء على كفاءتهم وخبراتهم، أما عدد هؤلاء فلا يتعدى في أفضل التقديرات مئة شخص.
وبالنسبة للشركات التجارية اللبنانية الخاصة العاملة في إيران فتكاد تكون معدومة، لأن تأسيس أي شركة يفرض على صاحبها أن يجد شريكا إيرانيا يكون له 51% من الأسهم، إضافة إلى فرض ضرائب مالية مرتفعة على مثل هذه الشركات، وتشير المعلومات إلى أن الشركات العاملة في إيران من النادر أن تخرج عن أن تكون مقربة من حزب الله أو تعود لأحد الأفراد المقربين من هذا الحزب، وشريكها الإيراني لا يخرج عن كونه من أفراد وضباط حرس الثورة، وإلا فإن إمكانية العمل وتأسيس شركة في هذا البلد تصل الى حد الصفر.
وهذه صورة لسوق العمل الإيرانية التي يبشر المزايدون على الدول العربية بها لتكون تعويضا عن سوق العمل في الدول الخليجية، وهي سوق تعاني من أزمات متراكمة لعل أهمها أزمة البطالة التي تجاوزت الـ40% بين الشباب الإيراني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط