أكاديميون يؤكدون “ضعف” الدراسات العليا في الجامعات السعودية  

أكاديميون يؤكدون “ضعف” الدراسات العليا في الجامعات السعودية   

 

تم – أبها : أكدت ندوة تناولت موضوع الدراسات العليا ومخرجاتها في الجامعات السعودية، أنه لا يوجد توجيه واضح ومدروس لمخرجات الدراسات العليا، تتلاءم مع متطلبات التنمية الوطنية في ظل الظروف الراهنة، ولا يتوافق مع توجه الدولة في الاعتماد على تنوع الدخل.

وبيّن مشاركون في الندوة التي نظمتها صحيفة “الوطن” وافتتحها رئيس تحريرها الدكتور عثمان الصيني بحضور 10 أكاديميين من المنطقة الجنوبية، أن الجامعات تتجاوز الشروط المحددة في لائحة الدراسات العليا في سبيل إرضاء المجتمع، كما أن العلاقة المرتبكة بين سوق العمل وتوجه الجامعات سبب المشكلة، إضافة إلى أن إمكانات بعض الجامعات دون مستوى الماجستير والدكتوراه.

وأكد أستاذ فلسفة المناهج وطرق التدريس المتقاعد الدكتور علي الشعبي أن التعليم العالي للدراسات العليا لدينا مقلوبٌ بالكامل، وقال “نقلة الدراسات العليا لم تكن أكثر من نقلة عددية كمية هائلة لا أكثر خلال 18 عامًا، فالإحصائية كانت في تخصصات ليست مؤثرة، إذ يقول توزيع النسب المئوية سنجد أن 46 % منها كان في تخصصات نظرية وتحديدًا التخصصات التربوية”. 

وأضاف الدكتور الشعبي أن “التقرير الذي نشرته الصحيفة عن الموضوع سابقًا، يشير بالأرقام إلى أنه لا يوجد توجيه واضح ومدروس لمخرجات الدراسات العليا، تتلاءم مع متطلبات التنمية الوطنية في ظل الظروف الراهنة، ولا يتوافق مع توجه الدولة في الاعتماد على تنوع الدخل، وكأن العملية التعليمية مقلوبة بالكامل، فالمفترض أن تكون هناك زيادة في نسبة الخريجين في التخصصات العلمية مقابل انحسار التخصصات النظرية التربوية، لمواكبة توجه الدولة في التحول إلى تنويع مصادر الدخل القومي، من الصناعة والسياحة ومجالات أخرى تحتاج إليها التنمية حاليًا”.

وقال “ما شاهدناه من نتائج رقمية في التقرير، يتعارض مع ما جاء في تقرير (ماكنزي) الأخير القائل بضرورة تنويع مصادر الدخل القومي، والاهتمام بنواحي التنمية البشرية لتتوافق مع التوجه والاحتياج، والتي لا تتحقق إلا من خلال التخصصات العلمية التطبيقية، والسؤال الذي يطرح نفسه؛ هل لدينا بنية تحتية في جامعاتنا للبحث العلمي الذي يُعتبر قاعدة وأساس الدراسات العليا، من معامل تطبيقية، أو كادر؟”.

وأضاف “أظن أننا بحاجة إلى إعادة النظر في صياغة لائحة الدراسات العليا، لأنها أصبحت لائحة قديمة تقف عائقاً أمام تقدم هذا المستوى التعليمي، ولا تلبي الحاجة إلى تحقيق جودة تعليمية عالية، نحن نملك مرجعية للتقييم نجهلها جميعًا، تتمثل في ما يُعرف بالإطار الوطني للمؤهلات الجامعية، وهو موجود منذ العام 2009 في الجامعات السعودية، لكنه وللأسف ليس مفعلًا كما يجب، فالعملية التعليمية تقوم على ثلاثة أركان: مدخلات ومستويات البرامج المقدمة ثم نواتج التعلم، التي تُقاس عليها المخرجات”.

وقال أستاذ النقد الثقافي بجامعة الملك خالد الدكتور أحمد آل مريع “لا نستطيع الحكم على الأمر من حيث إذا كان خطأً أو مشكلة، ما لم يكن هناك مرجعية. بمعنى؛ هل لدينا مشروع أو رؤية إستراتيجية عامة قدمت من وزارة التخطيط، نقيس من خلالها مخرجاتنا ونحكم على مستوى التعليم والرياضة والإعلام وغيرها، بحيث نعلم نحن في أي مستوى؟ وفي السياق ذاته علينا أن نعرف ما هي وظيفة الجامعة لدينا، هل هي التعليم أم الثقافة أم التنمية الاقتصادية أم توفير الوظائف؟”.

وأضاف “يجب ألا تخدعنا الحركة المستمرة، فلربما كانت حركة فاقدة للبوصلة ودون اتجاه، فالواضح أننا في حركة دائمة وإنفاق داخلي كبير، والسؤال؛ هل أنت مؤهل الآن لمعرفة اتجاه هذه الحركة وكميتها وقيمتها ونوعيتها وما تحتاجه منها مثلاً؟ لأن الواضح أن الجامعات حصرت نفسها في الطالب والدراسة بالمفهوم الأكاديمي العادي، وغاب عنها التطوير المهني المعرفي داخل الحقول العلمية”.

وتابع “جامعاتنا للأسف لم تتقيد بلائحة الدراسات العليا كما يجب، فمثلًا في المادة 111 لأهداف التعليم العالي التي تقول: إتاحة الفرصة أمام النابغين الدارسين في الدراسات العليا المختلفة، وما يحصل الآن أننا نقبل متقدمين بتقدير (مقبول!)، أيضًا المادة 135 للتخطيط والتعليم العالي تقول: تُفتح أقسام للدراسات العليا في التخصصات المختلفة، كلما توافرت الأسباب والإمكانات، لكننا نكتشف أن بعض قاعات الجامعات تحوي 30 طالبًا، فإذا كانت المحاضرة 3 ساعات وتعطي كل طالب 10 دقائق، فإن المجموع هو 300 دقيقة أي 5 ساعات، أي ما يفوق وقت المحاضرة والمناقشة بـ 120 دقيقة، وهذا يدل على عشوائية العمل”.

وطرح الدكتور عثمان الصيني، سؤالًا على المشاركين: “ألا يمكن أن يكون من ضمن مشكلة افتتاح أقسام الدراسات العليا، تسابق بعض الجامعات من باب (البرستيج) للإشارة إلى أننا في الصدارة على هذا المستوى؟”.

وأوضح أستاذ المراجعة والمحاسبة المشارك بجامعة الملك خالد الدكتور محمد آل عباس، أن العلاقة المرتبكة بين سوق العمل وتوجه الجامعات سبب المشكلة، مبينًا أن الأرقام الواردة كنتيجة في التقرير تمثل ظاهرة وليست مشكلة، وتفسيرها يستند إلى أسئلة متعددة أولها: هل هناك علاقة بين هذه الأرقام وسوق العمل؟.

وقال “أرى أن الرابط يبدو قويا بين نتائج التقرير وسوق العمل، في الوقت الذي لا تبدو فيه المشكلة في التعليم العالي، إذ إنها تكمن في سوق العمل ذاته، لأن مصدر الطلب يأتي من السوق، ولذلك تخضع كليات التعليم العالي في الجامعات لضغط المجتمع، الباحث عن شهادات لا “وظيفية” يطلبها سوق العمل أكثر من الشهادات “المهنية” مثل الطب والهندسة والمحاسبة، فالإدارة مثلاً لا تمثل مهنة، لكنها تضغط على الجامعات من جهة طلبها التخصصات النظرية، وهذه تشوهات في سوق العمل انعكست على العملية التعليمية وأدت إلى هذا الخلل. 

وبين الدكتور آل عباس أن تساهل الجامعات في قبول طلبات الدراسات العليا ونوع التخصصات، أدى إلى ظهور الفجوات التي نراها الآن، وهو ما أدى أيضاً إلى غياب بوصلة التعليم العالي، والعمل على إعادة توجيه التعليم نحو دعم التخصصات التطبيقية، فالتعليم التربوي يُعتبر من أكبر القطاعات التي تستقبل طلبات توظيف الخريجين من التخصصات النظرية حالياً، يشكلون جيشاً كبيرًا على حساب التخصصات التطبيقية.

وقال وكيل الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الملك خالد سابقًا الدكتور أحمد طاهر مبارك “تجاوزنا لائحة الدراسات العليا لإرضاء المجتمع، لا بد أن نعترف أننا في بلد بحاجة إلى كل التخصصات، لكن لا بد أيضًا أن نحدد ماهية هذه التخصصات التي لا بد أن تتوافق مع الخطط التنموية للوطن، فالدراسات العليا لها شروط محددة في لائحة الدراسات العليا في الجامعات السعودية، ولكننا في الجامعات تجاوزنا عنها في سبيل إرضاء المجتمع، وهو الخطأ الذي ترتكبه الجامعات، تحت ضغط وجود عدد من أعضاء هيئة التدريس، ولا بد أن نعترف أيضاً أن الدراسات العليا هي للمتفوقين فقط، ويجب أن تكون وفق ضوابط ومعايير عالية تتواءم مع مستواها، لفتح أي تخصصات”. 

وأكد أنه وخلال عمله السابق وكيلا للدراسات العليا، علم عن طلبات تم قبولها لمتقدمين لم يحضروا موافقات من جهات مراجع عملهم – على ضوء اتصال -، وقال “هذا يؤكد غياب الضوابط التنظيمية الصارمة على هذا الصعيد، إذ كنا في آخر عامين من عملي نذهب إلى أمير المنطقة بأوراقنا لنطلعه على حجم الضغط الحاصل علينا في الأقسام التي تفوق طاقتنا الاستيعابية، وإدارات الجامعات من جهتها تضغط على الوكلاء باتجاه افتتاح أقسام جديدة، في ظل شح الإمكانات”، مطالبًا وزارة التعليم بتحديد نسب القبول سنوياً ليتم التخلص من هذه المشكلة التي تؤدي إلى نتائج مشوهة تتبع التشويه الحاصل في سوق العمل والتوظيف العشوائي.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط