“أطباء” أدواتهم “المفك والشاكوش والزرادية” يتاجرون بـ#أسنان_البشر

“أطباء” أدواتهم “المفك والشاكوش والزرادية” يتاجرون بـ#أسنان_البشر

تم – متابعات: تعمد “أطباء الشنطة”، بل حرصوا على إيصاد جميع الأبواب التي تقود إلى الكشف عن عيادات الأسنان المسمومة في أحياء البلد، والكيلو2، فيما انتشرت حكايات تناقلها عدد من الوافدين إليها، مبرزين حجم الكوارث التي تحدث خلف تلك المغارات السرية، والتي يبرز بين عناوينها “أدوات المفك والشاكوش”.

وفي رحلة للكشف عن مدى صدق تلك الروايات التي تنذر بكوارث إنسانية كبيرة، وتشير إلى حجم الانحطاط الطبي والضميري الذي وصل بالعديد من البشر الذين استغلوا مهنة الطب لتحقيق أهدافهم المادية والشخصية البحثة، فكانت أسنان ” فايز وأبو عبده وعلي النحاس” مررا لاكتشاف الوقائع من قلب الحدث.

داخل إحدى عيادات الأسنان التي تقع تحت “السلَّم”، في بناية متوارية، داخل زقاق قديم، كان “الطبيب المزيَّف” الذي يستخدم في خلع الأسنان أدوات خلع أبواب الشقق، وخزائن الحديد نفسها، وقف أبطال الحكاية تحت الشرفة، إلى أن حان الوقت، كرّر فايز النداء ثلاث مرات متتالية، فيما لم يكترث أحد بهم، ولما كانت بصمة الصوت غير مسجّلة عند “فايز”؛ كي يطمئن لهم، تم نداء بديل عنهم، لحظتها فُتحت البوابة على المصراعين، للعيش تحت السلّم وسط عالم مثير للضحك، والخوف.

وعن رحلة المشقة يبرز الصحافيون الذين خاضوا التجربة “كانت دهشتنا بالغة، ونحن نتحرّك في الحي الشعبي في الكيلو2، بحثًا عن العيادة، دهشة مردّها السيرة التي يتبادلها هذا وذاك عن تركيب الأسنان في غرفة لا تتجاوز الـ12 مترا مربعا تحت سلَّم بناية قديمة، غرفة صغيرة قسَّم الوافد مساحاتها ما بين الاستقبال، والفحص، ومكان للنوم، ومطبخ وحمام مكشوف، وعلى الرغم من استغرابنا من “بانوراما” الحياة العجيبة داخل المكان؛ كانت الدهشة أكثر من الأدوات التي يستخدمها الطبيب السبّاك، حقيبة بها مفك، وزرادية، وشاكوش، وخليط من الأطقم.. هذا ما سجّلناه بأعيننا قبل أن أسلّم قيادة فمي -منصاعًا- لهذا الوافد العجيب”.

مرحبا بالضحية

وأوضحوا “كان “فايز” شديد الترحاب بي، وبرفيقي، كما رحبتْ بنا أيضًا عصافير الزينة التي وضعها في المدخل؛ لتفجّر الإلهام في لحظات العمل، وتسلّي الزبائن أثناء تركيب السن، ومع الترحاب كانت الأسئلة الاستخباراتية الصادمة: مَن أرسلك لنا؟ ومن أين جئتما؟ حريصان كنا أن نزرع داخله الاطمئنان، فأخبرناه بأنّنا من طرف صديق ركّب هنا بعض الأسنان، لحظتها استبشر واطمأن، سألني مِمَّ أشكو؟ ففتحت له فمي. فأطلَّ إطلالة متأنّية لدقائق، ومن ثم أدخل يده بلا قفاز؛ لينتهي الفحص بحاجتي لتركيب أربعة أسنان”.

أضاف أحدهم “أبديتُ موافقتي المبدئية، ومن ثم سألته عن القيمة، فأجاب: إن السن الواحدة بـ200 ريال، ثم زكَّى عمله الناجح بالقول: بإمكانك الذهاب إلى أقرب مستوصف، وستجد الفارق الكبير في السعر، فسألته عن نوعية السن؟ فأجاب: معظمه من البورسلان. عدتُ إليه بالسؤال عن المكان الذي سيجري فيه التركيب؟ فأشار بيده إلى ذات الغرفة، ثم مدّ يده إلى حقيبته ليخرج أغرب أدوات التركيب: “مفك، وزرادية، وكيس نايلون بحجم منتصف الكف، يوجد به أنواع ومقاسات مختلفة للأسنان، ثم خيّرني انتق منها ما شئت”.

الجودة والضمان

وتابع “لا أنكر تخوّفنا من هذه الأدوات التي نراها في أيدي السبّاكين، ومحترفي فتح الأبواب والخزائن.. ولكنّنا عدنا لنسأل عن المدة الزمنية التي يستغرقها التركيب؟ فابتسم قائلاً: هنا لا يوجد طابور طويل، أو مواعيد كما هو حاصل في العيادات.. سأخذ حالاً المقاس، وأصنعها أمامكم، ثم تركيبها بوضع غراء محكم، كل ذلك يستغرق مني ساعة فقط! وزاد: سأقدّم لكما ضمانًا فوريًّا بعد الانتهاء من التركيب، وأجري لكما اختبارًا للتأكّد من جودة عملي.. كنا نخشى أن يضربنا للتأكّد من جودة التركيب، ولكنّنا فوجئنا بأن أداة الاختبار هي “تفاحة” إن مضغناها، وبلعناها، ومضى الأكل بسلام فهذا دليل النجاح، وإن تحرك السن المُركَّب، أو تأثّر فلنعد المحاولة”.

التقويم حكاية ثانية

وزاد “سألناه عن إمكانية عمله تقويما لأسناننا، فأجاب هناك أنواع مختلفة منه، ولكل سعره الخاص به، فمثلاً التقويم العادي سعره 700 ريال، على جلسات متفاوتة، أمّا التقويم المخفي فسعره 2000 ريال، وعندما طلبنا منه تخفيض المبلغ قال: كلّما جئتما بزبائن لي سأخفّض لكما في السعر”.

وأردف “وعن إقبال الزبائن عليه قال: زبائني كثر من الرجال والنساء، وبعضهم أذهب إليهم بنفسي، وبعضهم يأتون إليّ، كما أن أيام الحج عندي تُعتبر موسمًا ذهبيًّا، لا أفرط فيه، حيث أتنقل بين مكة والمدينة بغية الرزق”.

أسنان عريس

واسترسل “حرصنا كثيرًا على الإطالة في الحديث مع “فايز” حتّى يسرد لنا القصص المثيرة، فإذا به يروي لنا قصة “أسنان العريس”، إذ أخرج من أحد الأدراج جسرًا به عدد من الأسنان، وقال: هذه لأحد زبائني، وعمره 30 عامًا، وهو يتجهّز لعرسه، ولا يملك سوى سنّين فقط، فقمتُ بصناعة ورسم 12 سنًّا له؛ لكنه لا يملك المال الكافي والمقدّر بحوالي 2000 ريال، ويعمل الآن، على تسديد المبلغ على أقساط”.

واستأنف “انتهى من فحص “الزميل داود” ثم انتقل لفحص “الزميل عبدالعزيز”، وأدخل يده من دون قفاز وبدأ يتحسس الأسنان وقال: إنه بحاجة إلى خلع وتركيب ست أسنان؛ لكنه في حاجة عاجلة إلى علاج لتخفيف الالتهابات وصرف علبة دواء كان في حقيبته – يقول إنه مضاد حيوي لتخفيف الالتهابات – وطلب مراجعته بعد أسبوع للتأكد من زوال الالتهابات وبعدها يتم عمل مقاسات الأسنان المطلوب خلعها وعددها وحدد سعر السن الواحدة بـ200 ريال بعد التخفيض إكراما (لعم عبده الوسيط الذي أرسلنا إليه) وطمأننا أن الأسنان الجديدة يتم تصنيعها في معمل متخصص في حي البوادي شمال جدة”.

بلا مؤهل

وأبرز “سألناه عن عمره، ومؤهله العلمي؟ فقال: عمري 25 عامًا، وليس لديه شهادة جامعية؛ بل ورث المهنة من أبيه، وجدّه، وفي ثنايا الحديث طلبنا منه مهلة للتفكير على أن نعود إليه في اليوم التالي، فرخّص لنا بالخروج، وقال: لا تنسيا إذا جئتما بزبائن فسأخفّض لكما السعر”.

مضادات حيوية

بيّن “عدنا صباحًا، ومعنا الزميل المصور عثمان محمد- ادّعينا أمامه أنّهما يريدان خلع الأسنان، كان لتوّه استيقظ من النوم، فتح لنا الباب، واستقبلنا بملابس النوم، وبعد تشخيص سريع لأحد زملائنا أخبره بأن لديه التهابات، ولا بد أن يمرّ بأطوار علاجية قبل التركيب، وكان المدهش أنه تجرّأ، وكتب له وصفة علاجية من مضادات حيوية وغيرها يتم استخدامها لشهر كامل”.

يجلس القرفصاء

واستكمل “أثناء الحديث؛ لاحظنا رجلاً يجلس القرفصاء بـ”الفانلة والسروال” في زاوية من زوايا غرفة الأمتار الخمسة.. سألناه عنه فقال: والده، الذي كان في مثابة الاستشاري، إذ قدم استشاراته الفنية حول آلية تركيب الأسنان، عارضًا أداة تبريد السن، ونحته، وتصغيره قبل تلبيسه، مستعرضًا مخزون خبراته، شارحًا طريقة ثانية لتركيب سن البلاتين بلا ألم، وحاول الاستشاري تبديد مخاوفنا بقوله: لديّ خبرة عريضة في التركيب، ولا تخف، فهناك خيارات متعدّدة، لكنّي أنصحك بتركيب البلاتين، حينها أخبرناه بأن لونه سيكون مغايرًا عن لون أسناني الطبيعية، فردّ مباشرة: لن يكون ذلك ظاهرًا للناس، وإن أبيت فعليك بتركيب البورسلان؛ ولكن لابد من تصغير حجم السن قليلاً حتّى يتمّ التركيب”

السيناريو الثاني

وواصل “أكملنا رحلة البحث في الكيلو2؛ لنقف على عيادة جديدة بطلها «أبو عبده» صاحب التاريخ الموغل في القدم، في خلع الأسنان وتركيبها، وعلى الرغم من كون «المدينة» سبق وأن دخلت هذه البؤرة العلاجية قبل عامين، وكتبت عن قصتها الصادمة، ووقفنا أيضًا على تحرّك الجهات المسؤولة -وقتذاك- للقبض على مدَّعي الطب، ومحترف العبث بالعافية إلاَّ أنّ «أبو عبده» تمكّن بأسلوبه الالتفافي، وحيله الجهنمية من تجاوز كل الأنظمة، والقفز على الضوابط، واستعادة نشاطه بذات الأدوات!!.. صعدنا لعيادة «أبو عبده»، والذي كان يعمل باسم مغاير «رضا» قبل عامين، إلاّ أنه التقانا بتجهّم وغضب، صارخًا في وجهنا: «أنا لا أركّب أسنانًا»، وقال منفعلاً: «يكفي اللي سويتوه فينا المرة الماضية»! كيف عرف أبو عبده شخصيتنا؟ هذا هو السؤال المحيّر! ولكن خبرات الهروب، وقتما تشتعل تفرق العين بين مكامن الخطر، ومواضع الأمان”.

السيناريو الثالث

وأفاد “توجهنا إلى أزقّة البلد، صعدنا فيها إلى عيادة منزلية جديدة، بطلها علي نحاس، يركّب أسنان الذهب والفضة في عيادة كسا أدواتها الصدأ، وخيّم الغبار على كل ركن فيها، قصة هذا المكان كانت مدهشة، إذ كان من قبل عيادة مرخصة لتركيب أسنان؛ ولكن توفي صاحبها، وتم سحب الترخيص؛ إلاَّ أنّ علي النحاس -عامل- لم يكترث بسحب الترخيص، وظل يمارس المهنة بلا مؤهل، باستثناء شهادة فني أسنان حصل عليها من بلاده -كما يقول”.

وذكر “ومع دخول العيادة التي لا تفتح إلاّ مساءً؛ فوجئنا بكرسي قديم متهالك، ومصباح بدائي معلّق بعمود صدئ، فيما تتدلّى الأسلاك المكشوفة من فوقك. أجلسني على الكرسي، وأدخل يده من دون ارتداء القفازات، ومن بعد أحضر أحد الأنياب على أن يركبه لي؛ إلاّ أنه لم يجد المقاس المناسب -كما قال- سألته عن السعر قال: إنه بـ350 ريالاً للسن الواحدة، مع وجود ضمان عليه؛ ولكنه كما قال إنه لا يوجد لديه المقاس المناسب، فطلب مني الذهاب إلى المستوصف، وبعد إلحاح مني أرسلني إلى كيلو2 للسؤال عن مركّبي الأسنان السوريين”.

مواطنون ومقيمون في الانتظار

واستطرد “مواطنون ومقيمون واقفون تحت الشرفة ينتظرون “الطبيب السبّاك”، اقتربنا منهم لنسأل: فقال أحمد فتحي -35 عامًا- جئت إلى هنا لتركيب أحد أسناني المكسورة، بعدما نصحني صديقي؛ نظرًا لأسعاره الزهيدة، فوضعي المادي لا يسمح بالذهاب للعيادات، أمّا خالد مبارك (47 عامًا) فيقول: ذهبت إلى عيادة في جوار منزلي في شرق جدة؛ ولكن مللتُ طول الانتظار، فنصحني أخي بالمجيء إلى هنا اختصارًا للوقت والتكلفة أيضًا، وفي جلسة واحدة سيتم فعل ذلك كله، وبمبلغ بسيط يقدر بـ150 ريالاً، بينما في العيادات يقدر بـ250 – 300 ريال”.

وأشار إلى أن “حكاية الطبيب السبّاك قصة ذات دلالات مخيفة، لاسيما وأن المرضى يتقاطرون على المكان -رجالاً ونساءً- ومع غرابة المغارة، وما حوت يبقى السؤال مفتوحًا: أين الضمانة؟ وكيف نبحث عن علاجات للإيدز، والفشل الكلوي الذي يهدد البشر، وننسى أن نبحث أولاً عن كلمة السر، وشفرة الصوت”.

– أسباب اللجوء إلى “طبيب الشنطة”

  1. انخفاض التكلفة
  2. سرعة الإنجاز
  3. الحضور للمنزل
  4. التخفيض في حال جلب الزبائن

– أبرز الملحوظات المرصودة

  1. مجاورة الموقع لمسلخ الأنعام .
  2. تهالك الشقة .
  3. انعدام نظافة الثلاث غرف .
  4. عدم ارتدائه قفازات طبية .
  5. عدم وجود تعقيم للأدوات .
  6. أدوات صدئة ومهترئة .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط