سوريا بين مطرقة خسائر الحرب وسندان الفيدرالية

سوريا بين مطرقة خسائر الحرب وسندان الفيدرالية
تم – واشنطن
كشفت دراسة أجرتها منظمة “ورلد فيجن” الإنسانية الدولية، بالتعاون مع شركة “فرونتير إيكونوميكس” للاستشارات الاقتصادية، أن الحرب في سوريا ستكلف البلد نحو 5.5 تريليونات ريال سعودي، كخسائر في النمو الاقتصادي بحلول عام 2020، إذ تبلغ خسائر سوريا بسبب الحرب حوالى 17.6 مليار ريال شهريا.
وأضافت الدراسة أنه دون وجود استراتيجية متفق عليها دوليا، يتم تنفيذها عقب انتهاء الحرب، فإن العالم يخاطر بتكرار جوانب التخطيط الفاشل نفسها التي أعاقت إعادة البناء في أفغانستان والعراق، موضحة أنه على الرغم من أن الأزمة السورية أدت إلى قتل أكثر من 250 ألف شخص، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، وأثرت على حياة أكثر من ثمانية ملايين طفل، فإن هناك خطرا من إمكان تجاهل النتائج الاقتصادية.
من ناحية أخرى، أكدت الدراسة على النتائج الإقليمية للأزمة السورية، حيث أسهمت الحرب في إيجاد “صدمة اقتصادية حادة” على دول الجوار، لافتة إلى لبنان وحده استقبل حوالى مليون لاجئ سوري منذ بداية الأزمة، وأنفق قرابة أربعة مليارات ريال على اللاجئين بين عامي 2012 و2014، أما تركيا التي تستضيف 1.9 مليون لاجئ، وتعدّ أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم، فتشير التقديرات إلى أنها أنفقت حوالى 17.6 مليار ريال لاستضافة اللاجئين حتى عام 2014.
تزامن الكشف عن نتائج هذه الدراسة مع تصريحات ألمح فيها وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى أنه ربما فات الأوان للاحتفاظ بسوريا موحدة، وأن مجريات الأحداث على الأرض تشير إلى أن البلاد تسارع خطاها نحو الانفصال، وهو التصريح الذي تلقفه رئيس الدبلوماسية الروسية، سيرجي لافروف، ليؤكد صراحة أن خيار الفيدرالية ربما يكون هو الأنسب لسوريا وهو التصريح الذي فسَّره المراقبون بأنه بالون اختبار لمعرفة ردود الأفعال المحلية والإقليمية حول مشروع تقسيم سوريا.
ومع أن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف ربط تنفيذ خيار الفيدرالية بشروط عديدة، منها أن يحفظ لسوريا وحدتها وعلمانيتها، إلا أنه استدرك بالقول إن بلاده لن تعترض أيضا على أي نموذج آخر لسوريا، مشترطا أن يكون نابعا من السوريين أنفسهم، وليس من قوى خارجية.
أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فحافظ على هدوئه المعتاد وجدد تأكيده على أهمية الاحتفاظ بسوريا موحَّدة.
من جانبه اتهم المحلل السياسي السوري، الدكتور راتب شعبو، الموقف الأميركي حيال الأزمة السورية بعدم الوضوح، لاسيما فيما يتعلق بالخطة البديلة في حال فشلت المساعي السلمية لإنهاء الحرب، مشيرا في تصريحات صحافية إلى أن المقترح الروسي قد يكون هو الأفضل لسوريا، إذا ما تم تنفيذه بعد توفر الضمانات التي تتيح الحفاظ على وحدة البلاد.
وأضاف أن الوضع على الأرض في سوريا يسير نحو التقسيم، فهناك العديد من القوى العسكرية الموجودة فعليا على الأرض، وكل منها يمتلك حيزاً جغرافياً وارتباطاً دولياً وجمهوراً، يضاف إلى عجز الأطراف الداخلية عن الحسم، واكتفاء الأطراف الخارجية بتحقيق الحسم لأحد أطراف الصراع، مؤكدا أن الهدنة الراهنة رغم هشاشتها والخروقات المتكررة لها تعني الفشل في الحسم، ولو كان أي من الأطراف المتصارعة يمتلك أدنى شعور بأنه قادر على الحسم لما وافق على الهدنة.
وأبدى شعبو مخاوفه من أن تكون الفيدرالية نفسها مقدمة نحو التقسيم، موضحا أن السلطة المركزية بسوريا في حال وجودها ربما لن تكون لها القدرة، في ظل الظروف الراهنة على فرض سلطة حقيقة على الأقاليم التابعة، مما سيجعل الوضع القائم أشبه بالانفصال، مضيا ذلك هو الطريق المفضي إلى الفيدرالية التي لا تشبه في حقيقتها فيدرالية روسيا أو أميركا بل فيدرالية العراق، أي أنها شكل من التقسيم، ليس للحكومة المركزية فيه القوة الكافية لشد الولايات إليها بشكل متماسك.
فيما يرى كبير الباحثين بمعهد العلاقات الدولية في موسكو، يوري فينين، أن تصريحات الخارجية الروسية عن الفيدرالية في سوريا هي نوع من التفكير بصوت عال، وأنه لا وجود لخطة روسية لتقسيم سوريا.
وأضاف هذه الفكرة، وإن كانت مجرد تصريح إعلامي فقط، إلا أنها الأقرب إلى الواقع السياسي والديموجرافي الذي تشكل في ظل الأزمة السورية المستمرة منذ أعوام، كما أن طرح هذه الفكرة في الوقت الراهن يمكن أن يفتح الباب أمام اقتراحات أخرى ستتم مناقشتها في المفاوضات المرتقبة في جنيف.
وتابع أن التداعيات التي خلفتها الحرب في سوريا والمرارات التي خلفتها في نفوس السكان، تجعل من الصعوبة – إن لم يكن الاستحالة – العودة إلى النظام السابق.
واتفق معه مدير مركز الأبحاث السياسية، في موسكو، فلاديمير يفسييف، مؤكدا أن الفيدرالية هي الحل الوحيد المتاح في الوقت الراهن لإنهاء الأزمة السورية.
وأضاف روسيا ترى أن الحل العقلاني لإنهاء الاقتتال في سوريا مع الحفاظ على الحدود الجغرافية الراهنة هو النموذج الفيدرالي، بحيث تتشكل أقاليم البلاد أو ولاياتها على أساس عرقي محاولة الابتعاد عن البعد الديني، ويقوم التصور الروسي للدولة الفدرالية على إعطاء الحكم الذاتي للأكراد في المناطق التي يسيطرون عليها في الوقت الراهن، ومنح المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش للمكونات السنية، في حين تبقى دمشق وحمص وحماة ودرعا ومناطق سيطرة العلويين تحت سيطرة نظام الأسد، أما منطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية فيمكنها الحصول على نوع من الحكم الذاتي بالاتفاق مع النظام في دمشق.
من جهة أخرى يكشف المحلل السياسي والمعارض الروسي بافيل شليكوفي، أن موسكو تورطت في تدخلها بالأزمة السورية، لاسيما في ظل عجزها عن تحقيق نصر صريح لصالح نظام حليفها الأسد، رغم الآلة العسكرية الضخمة التي استخدمتها، كما أن التداعيات الدولية لتفاقم مشكلة اللاجئين الذين يطرقون أبواب الدول الأوروبية، مما أدى إلى تزايد الاهتمام العالمي بحل الأزمة، ومارس عدد من رؤساء وقادة الدول الكبرى ضغوطا على بوتين، وكل هذا كان له الأثر الكبير في دفع موسكو لإعادة قواتها.
وأَضاف قبل كل هذا فإن الطرح الجديد الذي تقدمت به المملكة لإرسال قوات برية لهزيمة الدواعش، واستعدادها للإسهام بقوة في هذه القوات، والتجاوب الكبير الذي وجده المقترح، سحب البساط من تحت أقدام بوتين، لذلك بدأ يفكر في الخروج بما يحفظ له ماء الوجه، ويضمن في ذات الوقت تحقيق أهدافه، لذلك لم يجد حلا أفضل من طرح موضوع الفيدرالية، كحل للأزمة في سورية.
واعتبر شليكوفي هذا الطرح بمثابة مناورة سياسية جديدة للكرملين، بعد أن توصل لقناعة بأن حليفه الأسد ليس بمقدوره استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وأن الحملة العسكرية في سوريا سوف تطول أكثر مما كان متوقعا، مع ارتفاع كلفتها في ظل اقتصاد روسي منهك.
 
 
 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط