المعسكر الرمادي

المعسكر الرمادي
تم – علي السويد: منذ أن يولد الإنسان لدينا, تبدأ العيون الكشّافة بالتقصّي عن خلفيّته الوراثيّة وتوجّهات والديه الفكرية حتّى يُقيّم هذا المولود ويجهّز له تصنيف معيّن ويُترك هذا التصنيف في أدراج غابرة حتى يأتي اليوم الأسود ويُفتح هذا الدرج ليوصم هذا الإنسان بإحدى المسمّيات الشائعة .
يكبر هذا المولود ويعدّي مرحلة الطفولة ليصل مرحلة الشباب ويجد نفسه في صحراء واسعة , داخل هذه الصحراء معسكرين متعاديين, أحدهما يرفع الراية ” السوداء ” والآخر قد رفع الراية ” البيضاء”, ويكتشف بأنه لابد لأن ينضم لأحدهما وإن لم يفعل فسيصنّفه المعسكر الأول بأنه زنديق ليبرالي متعَلمِن, ويصنّفه الآخر بأنه داعشي غالٍ متشدد .
يحتار هذا الشاب كونه لايرى في هذين المعسكرين أي صفة من صفات ” الصدق ” والصفاء, فأحدهما يظن بأنه يحمل في جيبه ” مفاتيح ” الجنّة والنار ليُدخل من تبـِعه في جنّته ومن خالفه في ناره!
والآخر يردد عبارات الحرية والمساواة ظنًّا بأنه مُمثِّلًا لليبرالية, وفي أول اختبار حقيقي في مبادئ الحريّة تجده أول الراسبين, لتتيقّن بأنه في وادٍ والليبرالية الأصيلة في وادٍ آخر!
 يستمر صديقنا الشاب في ركضه بعيدًا عن هذين المعسكرين باحثًا عن معسكر ثالث يرفع الراية ” الرمادية ” , لينتهي به المطاف وحيدًا متهالكًا يواجه الإثنين بلا قوّة ولا سند حتى تنتهي حياته وقد كتب وصيّته قائلًا : يامعشر القوم, خذوا مناهجكم من أصولها, فلا يوجد ممثّل لتلك المناهج إلا ماكتب في بطون كتبها, فلا تحمّلوا أقاويل ” فلان وعلّان ” على صفاء مناهجكم, فهم يتحدثون ” بألسنتهم ” لا بألسنتها !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط