الصدر يواصل تحديه لنفوذ أميركا وإيران ويتخذ طريق التمرد

الصدر يواصل تحديه لنفوذ أميركا وإيران ويتخذ طريق التمرد
Followers of Iraq's influential Shiite cleric Muqtada al-Sadr chant slogans demand government reform as they wave Iraqi flags during a demonstration in Tahrir Square in Baghdad, Iraq, Friday, March 11, 2016. (AP Photo/Hadi Mizban)

تم – متابعات: تعرض الزعيم الشيعي المثير للجدل مقتدى الصدر، ضغوطاً كبيرة من الإيرانيين والأميركيين الذين اتفقوا على ضرورة الإسراع في ترتيب الأوراق التي عمل “التيار الصدري” على خلطها، لكسر قواعد العملية السياسية في البلاد، فضلا عن مواجهته حقيقة أن مواصلته التمرد ضد حلفائه الشيعة؛ سيؤدي إلى تغيير الوجه السياسي للقوى السياسية الشيعية الحاكمة داخل البلاد.

واعتمدت الاستراتيجية الإيرانية، على مدار أعوام طويلة؛ على توحيد الأحزاب الشيعية في العراق؛ كي تتمكن من ترجمة الخصائص الديموغرافية إلى نفوذ سياسي، وبالتالي تعزيز القوة الشيعية في بغداد، ولهذا كان تحرك الصدر بالتمرد على الحكومة؛ خطراً يهدد هذه الصيغة التي سادت خلال الأعوام العشرة الماضية.

ومع كل الفروق الموجودة على أرض الواقع؛ يتفق الأميركيون مع الإيرانيين على تحييد أنشطة من شأنها تغيير المسار السياسي في العراق، في وقت تزداد المخاوف من أن تفضي أحداث حزيران/يونيو ٢٠١٤، حين احتل تنظيم “داعش” الإرهابي ثلث مساحة العراق؛ إلى فوضى سياسية في بغداد.

وقبل أن يخرج الصدر إلى الشارع؛ محتجاً ضد الحكومة التي يقودها حلفاؤه الشيعة؛ كان الأميركيون والإيرانيون بدأوا للتو، بقطف ثمار الاتفاق النووي، وعلى الصعيد السياسي؛ كان الطرفان متفقين على تقاسم النفوذ، وعلى ما يؤكد سياسي عراقي رفي؛ فإنهما تفاهما على تقاسم النفوذ “مناصفة” داخل المؤسسات الحكومية ذات الطابع الاستراتيجي.

ومنذ أشهر قليلة؛ تصرف الأميركيون بطريقة مختلفة إعلامياً مع قوات الحشد الشعبي في العراق، بعد سلسلة طويلة من المواقف المتخوفة من دوره “الطائفي”، وصاروا يطلقون رسائل “غزل” بقوة شيعية تتفق مع واشنطن على هدف مقاتلة “داعش”، وفي ١٢ آذار/مارس؛ زار القنصل الأميركي في البصرة؛ جرحى الحشد الشعبي الراقدين في المستشفى، في خطوة تعد الأولى من نوعها لمسؤول أميركي.

وأعلن ستيف ووكر، أن حكومة بلاده تشيد بما قدمه “الحشد الشعبي” من مساهمة مع قوات الجيش العراقي في تحرير بعض المناطق التي سيطر عليها “داعش” الإرهابي، مشيرا إلى أن “داعش الإرهابي سيخسر الحرب لسببين؛ الأول يتعلق بشجاعة قوات الجيش والحشد الشعبي والسبب الثاني يعود إلى مساهمة الولايات المتحدة ودعمها للعراق”؛ لكن الصدر لم يفوت فرصة الرد حين أبرز، في ١٥ آذار أنه “سأحتفظ بالرد لنفسي ضد هذه القنصلية المعادية للإسلام والإنسانية”.

وتزامنا مع ذلك؛ كانت الكواليس الهادئة بين طهران وواشنطن؛ تطبخ التفاهم الجديد في العراق، فيما أفادت تسريبات خاصة أن جزءاً من هذا التفاهم؛ إعادة شخصيات عراقية قريبة من واشنطن إلى الواجهة من جديد، وبالفعل أُجريت تحضيرات “لوجستية” لذلك.

ولفت قياديان، كردي وشيعي، إلى أن المناصب الحساسة في الدولة جرى الاتفاق على هيكلتها؛ لضمان التوزيع العادل للنفوذ بين الأميركيين والإيرانيين (…) وجرى تأهيل منازل فخمة لإسكان شخصيات مقربة من واشنطن؛ لزجها مجدداً في المشهد، كان أحدهما شيعي أميركي مقيم في بريطانيا، والثاني كردي صديق لواشنطن، وقبل أن يدخل “الصدر” على الخط؛ كان الشكل العام للمؤسسات العراقية، وبعضها سيادي، على وشك التغيير بالكامل.

وراقبت واشنطن وطهران الحشود التي جمعها الصدر على أسوار المنطقة الخضراء، مهدداً – ولو بالإشارة – إلى عزمه قيادة “انقلاب أبيض” ضد العملية السياسية التي يرعاها الإيرانيون والأميركيون على حد سواء.

وتواصل الأميركيون والإيرانيون بكثافة منذ خروج الصدر إلى الشارع، وكان الهاجس الذي جمعهم؛ احتمال أن يقلب تياره التوازن السياسي الذي يلبي مصالح الطرفين، في النهاية اتفقا على أن تتحرك قيادات إيرانية للتحاور مع الصدر في شكل مباشر وأن يبقى الأميركيون في انتظار نتائج تحركات “الخصم – الحليف” في العراق.

وبعد الجمعة الثانية لخروج الصدر، سافر الجنرال قاسم سليماني إلى بغداد، واقتنع بأن حلفاء بلاده في العراق حائرون وناقمون على الصد، وفي تلك اللحظة؛ كانت المنطقة الخضراء تشهد كل خميس، ما يشبه إخلاءً لمسؤولين عراقيين؛ لأن العقلية السياسية كانت تتوجس من حركة جنونية يجريها الصدر ويأمر أنصاره باقتحام المنطقة الدولية، سوى أن الصدر ذكر ضمن خطاب في ساحة التحرير “أطمئن البعثات الديبلوماسية في المنطقة الخضراء”؛ لكنه تلاعب بأعصاب خصومه مضيفا “إلا سفارات دول معادية للعراق”.

واتصل سليماني من بغداد بالصدر الذي كان حينها عائداً إلى النجف، وطلب منه المجيء إلى بغداد للحوار؛ لكن الصدر رد عليه بالقول “من يُرد لقائي فليأتِ حيث أنا” وبالفعل سافر إلى النجف، واجتمعا في النجف، وأشار قيادي في التيار مقرب من الصدر، إلى أن سليماني بدأ بالسؤال “ما الذي تريده من كل هذا؟”، بعد أن شرح زعيم التيار مستعرضاً التظاهرات التي يقودها، وأجاب “أنا أهدف إلى طرد جميع الفاسدين، ومحاكمة المالكي”.

وتابع “حتى لو تطلب إخراجهم من العراق”؛ فامتعض سليماني من حديث الصدر، مردفا “طيب.. انت منبهر بجمهورك العريض (…) انبهرت؟! وماذا بعد”، فأصر الصدر على الإيضاح بأنه مصمم على الاستمرار بما يفعله حتى قاطعه سليماني “ما تريده غير قابل للتحقق، كان عليك أن تمهد لذلك بخطوات منطقية”، فلم يقتنع الصدر بحديث سليماني الذي قرر أخيراً إنهاء الاجتماع بالقول “بقي أن تتفاهم مع قيادات التحالف الوطني”.

وبعد هذا اللقاء الفاشل بالنسبة إلى سليماني؛ كثف الجنرال من اتصالاته لتدبير لقاءات بين قادة التحالف، وتحققت بالفعل سلسلة اجتماعات بين عمار الحكيم ومقتدى الصدر وحيدر العبادي، ونوه مصدر شيعي في النجف، إلى أن المرجعية الدينية أحيطت علماً بأجواء تلك اللقاءات، وعلى الرغم من ابتعادها عن المناخ السياسي؛ لكن أحاديث أجواء الحوزة كانت تفيد بأن تقارباً في الموقف حدث بين الصدر والمرجع علي السيستاني.

والحال، إن هذا الأمر مقلق لإيران التي تنتظر أي فرصة لبسط نفوذها على الحوزة، بينما تقترب مواقف الصدر من المرجع المخالف لمنهج “ولاية الفقيه” في العراق.

وفي زحمة الحراك السياسي الذي يحاول جاهداً لملمة الأوراق التي بعثرها الصدر؛ ثمة قناعة لدى النخبة السياسية العراقية، بأن الصدر متحمس، لكنه لم يقدم برنامجاً واضحاً للكيفية التي يريد فيها تحقيق أهدافه، وثمة تخوف من أن الحماسة التي تمكنت من حشد الجمهور يمكن أن تتكسر في غياب الآليات السياسية الناجحة، كما أن العجز السياسي والانتظار اللذان أرهقا القوى الشيعية؛ أخرج نوري المالكي إلى الواجهة، فكان رئيس الوزراء السابق يحاول الضغط على حيدر العبادي لإيقاف تمرد الصدر.

ونقل مسؤول سياسي مقرب من العبادي، أن المالكي حاول إعطاء سلفه وصفة ناجحة للتعامل مع الصدر، وخاطبه بالقول “أنا أعرف دواء الصدر… عليك القضاء عليه إعلامياً (…) حين كنت في البصرة أقود عمليات صولة الفرسان ضد جيش المهدي الذي كان يحكم طوقاً عليَّ، صعدت من الخطاب ضده في الإعلام وشبهت ما يفعله بأفعال الإرهابيين حتى ضعف”.

ويبدو أن العبادي، لن يكون قادراً على تحقيق شيء يوازي الطموحات الإيرانية والأميركية في العراق حيال أزمة الصدر؛ إذ استنسخ كلمة سابقة للمالكي حين كان في الحكم، وقال في مؤتمر صحافي بعد إعلان الصدر الاعتصام، “إنه لا يجوز أن تكون في الحكومة وتكون معارضاً لها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط