#أربيل تتحدى كل الصراعات وتبني ذاتها فوق أنقاض الماضي

#أربيل تتحدى كل الصراعات وتبني ذاتها فوق أنقاض الماضي

تم – العراق: أكدت الوفود التي توافدت على دائرة الإقامة العامة في مدينة أربيل، لمراجعتها قصد الحصول على حق الإقامة في إقليم كُردستان العراق، وينحدر هؤلاء من حساسيات وجُغرافيات ونشاطات اقتصادية وخلفيات ثقافية وأسباب متعددة وملوّنة.

فتحافظ المدنية التي تضم مئات الآلاف من المهاجرين والنازحين واللاجئين الذين يتفاعلون في أشكال حيوية وكثيفة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بعيدا عن الصراعات المختلفة، على حيويتها في أكثر من حيّز، كونها عاصمة لإقليم كُردستان العراق، حيث تُشكل مركزاً لتصارع الأطراف السياسية العراقية مع المركز الذي تُعبر عنه الحكومة العراقية في بغداد، الذي يصارع منذ الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، لأكبر شكل من الاستقلالية عن الدولة المركزية وسياساتها وهيمنتها الاقتصادية والإدارية والأمنية.

وكاد هذا التصارع أن يصل في لحظات كثيرة حدّ الاصطدام العسكري المُباشر بين الطرفين، ويُشكل هذا الصراع سبباً لتوقف الحكومة المركزية في بغداد عن تحويل حصة إقليم كُردستان من الموازنة العامة منذ أكثر من عام، ما يمنع هذه الحكومة الإقليمية في أربيل من دفع رواتب مئات الآلاف من موظفيها، مُنذ أكثر من سبعة أشهر، ويشكّل مصدراً لتدهور كُل أشكال الحياة العامة في المدينة.

تتوسط أربيل دفتا جُغرافيا التصارع الديني/ المذهبي في المنطقة، فإلى شرقها وجنوبها، ثمة السهوب المديدة لـ”الشيعة” في العراق وإيران، حيث تصاعدت الأيديولوجية الدينية المذهبية للشيعيّة السياسية مُنذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ووصلت قمة قوتها ونزعتها الحربية ورغبتها في الهيمنة على المُحيط مع الحرب الأميركيّة على العراق عام 2003.

وإلى شمال أربيل وغربها، ثمة الجُغرافيا “السُنية” العربية والتُركية، وإذ يسعى العرب السُنة إلى رفع الغُبن السياسي الثقيل عن أنفسهم في سورية والعراق؛ فإن تُركيا تحاول جاهدة موازاة النفوذ والمدّ الإيراني المُقلق.

في هذا السياق، تشكّل أربيل مكاناً لقلق سياسي، وتجد نفسها منشغلة بالصراعات التقليدية بين نفوذ الأحزاب الكُردية العراقية، وتخوض صراعاً عسكرياً وأمنياً مفتوحاً مع تنظيم “داعش” الذي احتل عشرات البلدات والقوى والحواضر ذات الغالبية السُكانية الكُردية، واقترب من حدود مدينة أربيل (قُرابة ثلاثين كيلومتراً)، ويخوض قُرابة مائة ألف مُقاتل كُردي حرباً مفتوحة مع هذا التنظيم مُنذ أكثر من عامين.

وتبدو حاضرة حيوية نامية بسرعة شديدة على الأصعدة كافة، يسكُنها ألوف المُنحدرين من تنوعات “إثنية ودينية وطائفية وثقافية مُختلفة”، يعيشون سلاماً اجتماعياً ممتازاً نسبياً، فيما لو تمت مُقارنته بالانشقاقات الاجتماعية المهولة في المجتمعات المُحيطة، محكومة من سُلطة تمنح الكثير من أشكال الحُريات العامة والمدنية والسياسية والاجتماعية، ولا تنتمي الى عوالم الأنظمة الاستبدادية التقليدية في المنطقة في أي شكل. كما أن أربيل تُعد مدينة من أكثر مُدن العالم سُرعة في حركة العُمران وتطوّر الأعمال وتغير البُنية التحتية، فقد تزايد عدد سُكانها أكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير فحسب.

أساس ذلك التناقض بين أشكال الصراعات التي تحيط بأربيل من طرف، وبين طبيعة العيش المُشتر لمُجتمعها المتنوع، كامن في قُدرة هذه المدينة الاستيعابية الاستثنائية لخمس موجات من الهجرات الجماعية إليها خلال العقد الماضي، وامتلكت المدينة هذه القُدرة لأسباب مُختلفة ومُركبة ومُتداخلة، تُساهم مُجتمعة في تشكيل هذه الظاهرة.

الموجات الأولى

اندلعت الموجة الأولى عام 2003. فالحرب الأميركية وقتها لم تقض فحسب على السُلطة السياسية والعسكرية التي كانت تحكم هذا البلد لأكثر من أربعة عقود، بل أيضاً على الطبقة الاجتماعية العُليا المُرتبطة بها، خصوصاً في المركز بغداد، فما إن شعر هؤلاء بأن الحاكمين الجُدد للبلاد يستبطنون ثأراً عميقاً تجاههم، حتى باتوا قلقين تماماً على وجودهم، وبدأ عشرات الآلاف منهم بالهجرة الى المناطق الأكثر أمنًا من العراق، وكانت أربيل الخيار الأكثر مُلاءمة لذلك. لأن أربيل كانت خارجة من سُلطة الدولة المركزية مُنذ أكثر من عشرة أعوام، ولم تُحدث حرب العام 2003 تحولات دراماتيكية على أحوالها الاجتماعية والسياسية.

استطاع هؤلاء أن يُعيدوا إنتاج مواقعهم وأعمالهم وأدوارهم في الحياة العامة خارج الحقل السياسي في أربيل، وبمشاهدة واحدة لعشرات الأطباء وأساتذة الجامعات في أربيل، يُمكن استنتاج تلك السهولة التي استطاع بها هؤلاء العيش والتفاعل في الحياة العامة في أربيل من جديد. بل وخلقوا شبكة من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية والحياتية مع نظرائهم الأكراد، الذين كانوا في حاجة ماسة الى تلك الطبقة الإنتاجية العُليا، لاسيما أن أربيل كانت مدينة متواضعة وقتئذ، وتسعى إلى نهوض عام كبير.

الموجة الثانية؛ تلت الأولى بعد أعوام قليلة، فما أن اندلعت أعمال العُنف في بغداد وباقي مُدن العراق، واستهدفت بالذات الجماعات “المسيحية” العراقية، حتى هاجر إلى أربيل وضواحيها قُرابة ثُلث المسيحيين العراقيين، الذين كانوا يتجاوزون المليون نسمة.

وكان الدور الفاعل في استيعاب هؤلاء؛ بقاء النزعة القومية الكُردية حية وحيوية في المُجتمع الكُردي، حيث لم تصب موجة المحافظة الاجتماعية/ الدينية الكُرد كما أصابت غيرهم من مُجتمعات المنطقة، وبقوا محافظين على السلوك الديني في الحيز الاجتماعي الخاص، ولم تكن التيارات الإسلامية الكُردية تُشكل وتستحوذ على نسبة كبيرة من المُجتمع الكُردي، لذا لم يشعر المسيحيون المهاجرون بأية ضغوط حياتية سلوكية خاصة، أو سياسية عامة، على نمط عيشهم ومُمارساتهم الخاصة، ما سمح لهم ببناء وعيش مؤسساتهم الخاصة، الدينية والمدنية، والاستمرار في شبكات أعمالهم وأنماط عيشهم غير المحافظة.

وزاد حجم حضور المسيحيين العراقيين الذين يتوزعون على طيف طائفي وإثني شديد التنوع، أرمن وسرياناً وكلداناً وآشوريين، أرثوذوكساً وكاثوليكاً وإنجيليين، زاد حضورهم في العام 2014، حين اجتاح “داعش” في شكل همجي منطقة سهل نينوى التي كانت تُعتبر منطقة مسيحية ديموغرافياً.

مع هؤلاء المُهجرين المسيحيين الفارين من “داعش”، فرّ قُرابة مليون عربي سُني عراقي ممن لم يطيقوا العيش في ظلال حُكم التنظيم الإرهابي، والذين عانوا من العيش في العاصمة بغداد، بسبب سيطرة الميليشيات الطائفية “الشيعيّة”، وعدم قُدرة السلطة على فرض القانون العام واحتكار تطبيقه على العامة.

أكثر من نصف مليون عربي سُني يعيشون راهناً في أربيل، ولا يعانون؛ إلا بالحد الأدنى من صعوبات في العيش والاستئجار والتنقل والعمل والمُبادرة والتفاعل، ولم تظهر في المُجتمع الأربيلي؛ إلا نزعات بالغة الفردية لرفض قدوم هؤلاء. حدث ذلك على رُغم الذاكرة الاجتماعية والسياسية المريرة للكُرد مع هذه الطبقة الاثنية العراقية، المُرتبطة في الوجدان الجمعي بالولاء للرئيس السابق صدام حُسين.

آخر موجة للهجرة الجماعية والاستقرار في أربيل كانت تخص السوريين، وبالذات الأكراد منهم. فعلى رغم الفروق في اللهجة وسلوك الحياة والخيارات السياسية والثقافية، فإن أكثر من مئة ألف سوري استقروا في أربيل، وساهموا في شكل كثيف في الحياة الاقتصادية، لاسيما لأنهم كانوا يستحوذون على قدر كبير من مهارات المُبادرات والأعمال الفردية. وبات كثير من أنماط “الحياة الاقتصادية” السورية يشهد إقبالاً من المجتمع الأربيلي، وبالذات في القطاعات السياحية والتسوق و «الاقتصاد النسائي».

المجتمعات الطبيعيّة

لا يعني تجاور أشكال التعايش اليومية هذه، بين ملايين المُنحدرين من منابت ثقافية وسياسية واقتصادية ودينية مُختلفة، أي استثناء لبُنية أو هوية مدينة أربيل. بل على العكس تماماً، تُثبت إمكانية تحقق ذلك وعاديته في ما لو توافرت شروط بسيطة لذلك، كالإرادة السياسية للتيارات الحاكمة وبعض الحُريات العامة والمناخ الاقتصادي المعقول، فالمُجتمعات أكثر قُدرة مما هو مُتخيل على التعايش والتفاعل وتجاوز الخطابات وما يحرض على الصراع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط