المعلمون يطالبون “التعليم” بحفظ مكانتهم وهيبتهم بعيدا عن العصا

المعلمون يطالبون “التعليم” بحفظ مكانتهم وهيبتهم بعيدا عن العصا

تم – جدة: تولى وزير التعليم السابق الدكتور عزام الدخيل زمام المسؤولية في الوزارة، قبل نحو عام، ومنذ ذلك الحين تعالت أصوات المعلمين والمعلمات مطالبين بإعادة هيبة المعلم ومنحهم الأدوات والإمكانات والصلاحيات التي تمكنهم من فرض سيطرتهم وهيبتهم على الطلاب بما يضمن توفير بيئة تعليمية صحية، وبقيت صيحاتهم على حالها تنتظر مجيب، في المقابل ارتفعت أصوات الطلاب على المعلمين بسبب التأديب الأدبي وتنامي حالات الإيذاء التي تعرض لها طلاب من معلميهم.
وأسهمت مقاطع الفيديو في تشكيل رأي عام يتهم المعلم بالعنف، ما أدى إلى خسارة المدرس هيبته بعدما ظهر “كوحش كاسر لا يرحم” ومع زيادة الانطباع؛ وجد المعلم نفسه في قفص الاتهام، وخسر مكانته في الفصول لفشله في السيطرة على طلابه، وهو المشهد الذي كشفه المقطع الشهير في إحدى مدارس الرياض.
مغردون وتربويون: النظام فرض هيبة الطالب
وأرجع مهتمون مثل تلك الحالات إلى عجز المعلمين عن التعامل مع حالات عصيان طلابهم خوفا من النتائج السلبية، إذ أصبح الطالب ضامنا لسلامة موقفه تجاه المعلم مكتوف الأيدي عن اتخاذ أي إجراء يبسط الهيبة في الفصل غير خصم بعض الدرجات، الأمر الذي لا ينشغل به كثير من الطلاب، فضلا عن أنهم لا يعتبرون الخصم عقابا أصلا، مع فرض منع العقاب البدني، ليصبح المعلم بين مطرقة الطالب وسندان تعليمات الوزارة والضحية هي المسيرة التعليمية في مجملها.
ولم تكن مواقع التواصل الاجتماعي بعيدة عن تناول المشهد المؤسف والمثير وحرص مغردون على إنشاء وسم يحمل عنوان “أعيدوا هيبة المعلم” فيما علق أحد المغرد: أنه لا بد من تجريم الاعتداء على المعلم وعلى مؤسسات التعليم مع استحداث نظام يمنح المعلم حصانة بدلا عن المطالبة بعودة العصا، و كتب الدكتور محمد الضويان: نريد احترام المعلم من المسؤولين والمجتمع والطلاب والمؤسسات والجهات الأخرى.
أما وكيل وزارة التعليم عضو الشورى سابقا الدكتور عبدالعزيز الثنيان، فذكر “ساءني مقطع الطلاب وقد تطاولوا على معلمهم ورثيت لحالهم فكيف يتغذون العلم وهم بذلك السلوك، ودعوت الله لهم بنور البصيرة”، مستذكرا كيف كان حال الطالب مع المعلم إبان أعوام طلبه للعلم، مبرزا: التقيت مساء الاثنين الماضي بزملاء دراسة ورفاق كلية تذكرنا أستاذنا الباشا ترحمنا عليه وقال أحدهم لقد اعتمرت له.
أكاديمي تربوي: الضرب .. علاج !
من جهته، بيّن الأكاديمي التربوي عبدالرحمن العامري، أن موضوع الهيبة في التعليم من أهم القضايا وأكثرها تعقيدا ونصيبها هو الأوفر جدلا، إذ يؤكد بعضهم أن هيبة المعلم ضعيفة وضائعة أحيانا عند الطالب وولي الأمر، مرجعا الأسباب إلى وزارة التعليم وتعاميمها الصارمة بمنع الضرب وكل صور وأساليب العنف والإيذاء الجسدي أو النفسي وأن الضرب من الأدوات الرئيسة للهيبة، مستندا إلى الحديث النبوي (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع).
وأضاف العامري: أن موضوع الهيبة يأتي مرادفا لمفهوم الرهبة والتخويف وهو ما كانت عليه الحال في الثمانينات والتسعينات الماضية، إذ كان الضرب وسيلة من الوسائل التعليمية شائعة الاستخدام آنذاك، ويتناقض مع المتبع حاليا في المجتمعات المتقدمة تعليميا وصناعيا.
فيما يرى مؤيدو قرارات منع الضرب أن مفهوم الهيبة المستند إلى الضرب المقترن بالتخويف والألم يعد أسلوبا عقابيا يتزامن في العادة مع الأحكام الرادعة للمجرمين ومرتكبي الكبائر، ولا تتحقق بذلك أهداف العملية التعليمية القائمة على تعزيز الثقة لدى المتعلم مع الشجاعة في الطرح والجرأة على البحث والإبداع، كما أن التخوف من تكرار بعض الصور الموجعة نتيجة الضرب المبرح يعزز موقف المؤيد لمنع الضرب مع ضعف الضحية وهو الطالب الذي تستمر معاناته مع الموقف لسنوات، عوضا عن وجود طرائق بديلة كالترغيب بالتحفيز وغيره.
وتابع: أن هيبة المعلم والمعلمة انعكاس لمكانة التعليم وتقدير العلم وأهمية العلماء بصفة عامة، ويشير الرأي التربوي والاجتماعي إلى أن الهيبة في التعليم تنبع من أهمية دور القائمين عليه وبالتالي تحولت هيبة المعلم من الخوف إلى علاقة احترام مع تأكيد دور المعلم كقدوة للطالب.
أستاذ العقود الأربعة: ليت تقبيل الرؤوس يعود يوما !
أعاد مقطع فيديو الرياض حادثة طالب مدرسة الفيصلية للموهوبين إلى السطح، وتحدث أحد المعلمين في رسالة عبر “واتساب” بلسان رفاقه المعلمين أبدى فيها تخوفه من مستقبل المهنة وضياع هيبة المعلم، متسائلا: من يحمي هيبتنا، وهل سنكون مكتوفي الأيدي حيال الإساءات المتكررة من قبل الطلاب، الرسالة وجدت صداها وسط آلاف المعلمين.
ويعلق المعلم طلال قديح مفيدا: زاولت مهنة التعليم لأربعة عقود، عاصرت فيها النهضة التعليمية، وواكبت تطور التعليم منذ أن كانت المدارس بالعشرات قبل أن تصبح بالآلاف، وكان المعلم ذا مكانة مرموقة، وله هيبته واعتباره وتقديره، وهذا أمر يتفق عليه الجميع، كان الكل يتسابق في تقبيل رأسه ويديه والجلوس في حضرته بأدب والحديث معه بصوت خافت هادئ.. وكل هذا الاحترام والتقدير منطلقه الإيمان العميق بدور المعلم، فالتعليم يبقى بخير ما بقي المعلم مهابا، والهيبة تحفزه إلى مزيد من العطاء والإخلاص في الأداء، أما إذا تعرض للمهانة فإن هذا ينعكس سلبا على العملية التعليمية برمتها ويصيبها في مقتل ويترتب على ذلك نشأة جيل لا يقدر معلميه.
أما المعلمة منال القحطاني، فأكدت من جانبها، أن المعلم لا يزال يحتفظ بهيبته ومكانته واحترامه بين طلابه، ولمن يقول غير ذلك تقول: لو شعرت في يوم من الأيام أنني فقدت مكانتي لاعتزلت هذا العمل، وجلست في بيتي أندب حظي، لكن الذي يحدث حاليا أن كثيرا من المعلمين لا يفهمون نفسيات الطلاب، ولا المرحلة التي يمرون بها، فتحدث فجوة بين الطرفين ويحدث الصراع، ومن خلال خبرتي الطويلة في العمل التربوي لمست أن هذه المشاكل أكثر ما تكون في صفوف المعلمين المبتدئين، أكثر من المعلمين الذين يملكون خبرة طويلة في مهنة التعليم، فهم أطول نفسا من غيرهم”.
مستشار تربوي: ما لا يأتي
بالحب لن يأتي بالجلد
ونوه مدير إدارة التطوير في وزارة التعليم سابقا والمستشار التربوي والتعليمي الدكتور محمد العامري، إلى أن الهيبة ليست مرتبطة بالعقوبة؛ لأن الأخيرة تعد جزءا يسيرا من عمل المعلم، مبينا أن هناك مجموعة سمات جاءت في معايير دليل التربويين الذي أطلقته وزارة التعليم في العام 2001 ذكرت أن هناك صفات جسمية تسمى الكاريزما وصفات أخرى معرفية ومهنية وتخصصية لدى المدرس لو وجدت يستطيع أن يكون للمعلم هيبته؛ لكن اختزالها في العصا والضرب فهذا تبسيط لدور المعلم، لأن المعلم باني أفكار وجيل وليس منزلا للعقوبات.
وطالب العمري بتوضيح دور المعلم كأب، وعلى الأسرة دور كبير في ذلك وعلى الوزارة تعزيز الصورة الذهنية الطيبة للمعلم، (يأتي بعد ذلك دور المعلم نفسه والتزامه بالقوانين والأنظمة ومعرفتها وتطبيقها بشكل صحيح كما يستطيع المعلم أن يحصل على الهيبة بالحب فلماذا نربطها بالضرب؟)، معتبرا المقاطع المتداولة ليس الهدف منها انتقاص هيبة المعلم فحسب؛ بل المقصود منه النيل من التعليم برمته.
السويلم: الحياة المترفة
عكست مفاهيم خاطئة
ولفت مدير دار الخليج للبحوث والاستشارات الاقتصادية الدكتور توفيق السويلم، إلى أن الراصد لواقع التعامل مع المعلم يجد أنه يختلف بحسب طبيعة وثقافة المتعاملين، فمن لديهم وعي وإدراك بأهمية المعلم نجد أنهم ينزلونه المكانة التي يستحقها من التوقير والاحترام، أما من يفتقدون للوعي وللثقافة فنجد أنهم يتعاملون معه بشيء من عدم الاحترام والتوقير، كما أن هناك العديد من المتغيرات التي طرأت على الواقع فتسببت في مجموعة من المظاهر السلبية.
وزاد السويلم: أن من الظواهر ضياع هيبة المعلم في العديد من المراحل التعليمية، ومنها المرحلة الابتدائية. مضيفا أن من أهم أسباب ذلك قلة الوعي لدى العديد من أفراد المجتمع بأهمية التعليم ودوره في التنشئة السوية نتيجة لتوفر سبل الحياة المترفة، وبالتالي تولد لديهم إحساس أن التعليم ما هو إلا تحصيل حاصل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط