مسيرة إنسانية خالدة تسطرها “الحاجة حصة” في #الدلم

مسيرة إنسانية خالدة تسطرها “الحاجة حصة” في #الدلم

تم – الخرج: تعتبر “حصة بنت زيد بن محسن” من وأكثر الأسماء العالقة في أذهان أهالي منطقة الدلم التابعة لمحافظة الخرج؛ كونها واحدة من رواد مسيرة التعليم في المنطقة، فالسيدة التي تُوفيت بعد أن جاوز عمرها الثمانين عاما؛ كانت أسست أول حلقة نظامية لتعليم الفتيات داخل دارها المتواضعة.

وأوضحت حفيدة بن محسن؛ نورة بنت عبدالعزيز الشدي، في تصريحات صحافية “عاشت جدتي حصة في بيت متواضع يتكون من غرفتين ومصباح، كان قديماً يسمونه “بطن البيت”‏، مبرزة، أنها “كانت تبدأ يومها من أذان الفجر، فتصلي، ثم تفتح باب بيتها وتردمه بحصاة حتى لا ينغلق، وأمام البيت رحى (وهي أداة كانت تستخدم قديماً للطحن)”.

وأضافت الشدي “أوقفت جدتي رحمها الله كل شيء في بيتها لله، فيحضر إليه الجيران ليستخدمن الرحى واحدة وراء الأخرى، وكانت عندها في الجهة الأخرى من البيت حصير فرشته رحمها الله لتجلس عليها البنات في حلقة لتعلمهن القرآن، إذ كانت رحمها الله تدرس القرآن للصغيرات، فيحفظن بين يديها، كما كانت تقرأ على المرضى وترقيهم”، لافتة إلى أن الجدة حصة كانت ملاذ كل من يحمل كرباً، فإذا امرأة وضعت مولوداً؛ كانت تقيم عند الجدة وترعاها حتى تقوى، ثم تعود إلى بيتها، كما كانت تغسل الموتى.

وتابعت “من ذكرياتي معها أنها رحمها الله حفظتني القرآن، وكانت تنفذ عملين في الوقت نفسه: تشتغل بالخوص وهي تدرس البنيات القرآن، والخوص هي مادة من سعف النخيل تصنع بها قديماً بعض المنتجات الضرورية التي تستخدم كسلال وسفر وفرش وحافظات وغيرها، فكانت موهوبة، تشتغل بيدها، وتقرأ القرآن بفمها”.

وأشارت إلى أنه “تخرج على يديها العديد من الحافظات، وأتذكر أنها ذات يوم وهي جالسة في الحلقة مع الطالبات؛ سمعوا صوت كبير مسن يطرق باب البيت بعصاه، وأخذ ينادي: “أم زيد.. أم زيد”، حتى ردت عليه، فقال لها: معي عباءتي ممزقة أرغب بإصلاحها؛ لكن العباءة كانت ممزقة جداً ومهترئة، ومع ذلك لم تستغرب الجدة، وأخذتها محاولة إصلاحها”.

وأرجفت “ثم رأيتها تقلبها وبإبداعها قلبت المعيب ووضعته في الأسفل والجيد في الأعلى وخيطتها ورتبتها وطبقتها مثل الكتاب، وحضر الشيخ الكبير بعد أسبوع؛ فأرسلتْ إحدى البنيات الصغيرات بعباءته وأعطتها له ففرح فرحاً شديداً ونادى مرة أخرى: أم زيد كم عرقتك؟ يعني أجرتك، فقالت: عرقتي أن قل: جعلك في الجنة ووالديك”.

وزادت “ومن مواقف نفعها للناس أنها كانت تسكن في منطقة زميقة، في الدلم، وإذا جاء يوم الجمعة تذهب إلى منطقة عذار حتى تسمع الخطبة، وكان الناس ما تأتي عليهم الساعة العاشرة إلا وهم في المساجد، وهي رحمها الله ذاكرتها قوية وحفظها متين، فتسمع وتحفظ، وإذا انتهت الخطبة تذهب إلى بيوت فيها نساء، وتلقى عليهم ما سمعته من الإمام في الخطبة، فلا تنسى شيئاً”.

‏واستكملت “دائماً كانت تضع في جيبها ما تفرح به الصغار، مما يتوفر لديهم قديماً مثل الأقط وهو قطع تصنع من الحليب وتجفف وتؤكل، وإذا لم تجد شيئاً سلقت بيضاً، وكل من يسلم عليها من الصغار أو من تسلم عليهم تعطيهم أو تناديهم وتقول اقرأوا علي القرآن، فيقرأون وتصحح لهم، فقد كان مجلسها لا يخلو من ذكر الله وكان لسانها رطباً من ذكر الله”.

وعن أولادها، أبرزت “أمي حصة كان لديها رحمها الله ثلاث بنات: نورة الشدي، وأمي: هيا الشدي، ثم تزوجت برجل بعد جدي من عائلة المعيقل وأنجبت منه بنتاً سمتها لطيفة وكلهن توفين رحمهن الله وأسكنهن الجنة”، موضحة عن برنامجها الجمعة “‏كانت تأتي من زميقة لعذار تزور بنتها نورة وقد كانت تحضر معها طعاماً وخضرة على رأسها وأثناء سيرها تقرأ القرآن جزءاً أو جزأين وتوصل الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً فتحضر الخطبة وتزول أقاربها وتطعم من صاحبات الحاجات وتراجع حفظها من القرآن وكان ذلك كل جمعة فلله درها”.

وذكرت أنها “شعرت بالتعب الاثنين؛ فجهزت كفنها وسدرها وكل ما يحتاجه تغسيل الميت ووضعت فراشها باتجاه القبلة، وكان أحد أبناء جاراتها يدرس مع ابن بنتها سعد في المعهد وهي تجلس مع جاراتها كل يوم، فقالت لجارتها: قولي لابنك: يقول لابني سعد: إن أمك تعني جدتك، مشتاقة لابنتها، فأوصل الابن هذه الرسالة إلى أمه، ولقد استغربت فهي من عاداتها أن تزورها هي بنفسها، ‏وأخذت رحمها الله تنادي قريباتها والغاليات عليها وأخواتها وحضروا عندها وسلموا عليها”.

واستطردت “ثم طلبت ابنتها الثانية من الرياض، وحضرت لها الأربعاء، وناموا كلهن عندها ففي الخميس ليلة الجمعة؛ نامت عندها بنتها نورة وهيا أما لطيفة فهي مقيمة معها وكانت طول الوقت رحمها الله وهي على فراشها تسأل وتقول أذن الفجر أذن الفجر ويقولون لها ليس بعد ..  ليس بعد .. ثم أذن الفجر فقالت ابنتها لها أمي أذن الفجر .. فردت بكلمة قوية مؤثرة  “إذا أخذ ما وهب سقط ما وجب” وكأنها تعني روحها؛ وفعلا فاضت روحها ولم يتحرك فيها شيء يدها اليمين تحت خدها اليمين ويدها اليسرى على جنبها الأيسر..”.

وختمت أنه “في العام 1389هـ؛ أرسل لها تعليم البنات إهداء كُتب باسمها، وعدوها من أعمدة التعليم في الدلم، رحمها الله، ورفع ذكرها في الدارين وكل من أحبها فيه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط