عضو بكبار العلماء يوضح حكم عدم الصيام في دول يصل نهارها لـ19 ساعة

عضو بكبار العلماء يوضح حكم عدم الصيام في دول يصل نهارها لـ19 ساعة

تم – الرياض
قال عضو هيئة كبار العلماء، الدكتور قيس المبارك، إن الصوم يجب على كل من حضر الشهر، وكان قادرًا على الصيام، ولا فرق في ذلك بين مَنْ يعيش في البلاد التي تقع على خط الاستواء ومَن يعيش في البلاد القطبية.

ويثير طول ساعات الصيام في دول أوروبية جدلاً واسعًا بين المسلمين الذين يقيمون في هذه البلاد، لاسيما أن عدد ساعات الصيام يصل إلى قرابة 19 ساعة يوميًّا في دولة مثل بريطانيا، ويزيد على 20 ساعة يوميًّا في الدول الاسكندنافية، مثل السويد والنرويج.

وأكد الشيخ المبارك أنْ لَحق المرء تعب بسبب الصيام فإن التعب قد يكون معتادًا، وقد يكون شديدًا، يخاف أن يفضي إلى ضرر أو هلاك.

وتفصيل القول فيهما فيما يأتي:

النوع الأول، وهو التعب المعتاد:
كلام الفقهاء صريح في أن ما اعتيد من المشاق لا يبيح الفطر. وهذا من الأمور الـمجمع عليها، ولا أعلم خلافًا بين الفقهاء فيه؛ لأن الله كلفنا بالصيام، بما فيه من مشقة وتعب على النفس غالبًا؛ فهي مشقة لا تنفك عن الصوم عادة، كما لا تنفك مشقة الوضوء والغسل في اليوم البارد؛ لذلك فالأصل في صحيح البدن أنه لا يجوز له أن يبيّت الفطر من الليل، وليس له كذلك إن شرع في الصيام أن يفطر بسبب هذا النوع من التعب، وليس له أن يزعم أنه قد يـمرض بسبب هذا التعب، فنزول المرض بسبب التعب المعتاد – وإن كان مـمكنًا – نادر، ولعله لا يمرض ولا يتضرر، وهذا هو الغالب. وأداء عبادة الصيام آكد من تفويتها درءًا لخفيف التعب. وهذا الأمر يجري على من يعيش في أي بلاد، بما فيها البلاد القريبة من القطب الشمالي والجنوبي، التي يكون النهار فيها طويلاً جدًّا؛ فمن يقيمون فيها يجدون في الصيام مشقة أكبر مما يجد غيرهم، فليعلموا أن شرف فريضة الصيام أهم عليهم وآكد من أن يفطروا بدعوى حصول التعب، وعليهم أن يحتسبوا الأجر؛ لأن ثواب العبادات تعظم بعظم المشقة، ونصوص الشريعة صريحة في وجوب الصيام على من شهد الشهر وهو صحيح البدن.

التعب الشديد
وواصل: النوع الثاني هو التعب الشديد الذي يخاف أن يؤدي إلى ضرر في الجسم، وينبغي ملاحظة أنه ليس لصحيح البدن أن يدخل نفسه فيما يتعبه من الأعمال التي تضطره للفطر؛ فلا ينبغي أن يجهد نفسه في وظيفته، بحيث يؤدي ذلك الإجهاد إلى الخوف من إلحاق الضرر به أو المرض والهلاك؛ فالواجب على القادر الصحيح أن يؤدي عمله على الوجه المعتاد، ما لم يكن مضطرًّا إلى ذلك، كما هو حال أصحاب المهن الشاقة، فإذا صام المرء فأداه صيامه إلى تعب شديد؛ وخاف على نفسه ضررًا شديدًا، إما بحدوث علة، كتلف حاسة من حواسه، أو منفعة من منافعه، كالكبد أو الكلية، أو يؤدي إلى الهلاك، فيجب عليه أن يبادر بالفطر، ولا يشترط لإباحة فطره حصول الضرر الشديد؛ فالخوف من نزول الضرر -بقول طبيب عارف- كافٍ في إباحة الفطر له.

والذين يقيمون في البلاد التي يطول فيها النهار يأخذون حكم أصحاب المهن الشاقة، التي يقدر على صيامها أكثر الناس، ويعجز البعض الآخر، فكثير منهم يـمكنه أن يصوم، وغاية الأمر أنه يجد مشقة في الصيام لطول النهار، وهؤلاء يجب عليهم أن يصوموا، ويلاحظ أنه إذا اشتد بهم التعب أثناء النهار، وخافوا حصول الضرر أو الهلاك، جاز لهم الفطر، وعليهم قضاء ما أفطروا من الأيام، بحسب المبارك

ولعل سائلاً يسأل: هل يجوز لـمن يقيم في تلك البلاد التي يطول نهارها تبييت الفطر إن خاف حدوث شدة الأذى أو الهلاك، أم يجب عليه تبييت الصيام حتى إذا اشتد به التعب أفطر؟

للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول، وهو مشهور المذهب، أنه يجب عليه أن ينوي الصيام؛ لأنه شهد الصوم وهو صحيح البدن، ولأن سبب الفطر – وهو الهلاك أو التعب الشديد – لم يقع بعد؛ فوجب عليه أن يشرع في الصيام، ثم إذا حصل له أثناء الصيام تعب شديد؛ وخاف حصول ضرر شديد أو هلاك، فعليه أن يقطع صيامه ويفطر.

وهذا الذي يظهر من قول الشيخ الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: “لو خاف الصحيح أصل المرض بصومه فإنه لا يجوز له الفطر على المشهور؛ إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام”. ونص على هذا الشيخ محمد ميارة الفاسي (ت١٠٧٢هـ) في كتابه الدر الثمين، والشيخ عبد السلام التاجوري (ت١١٣٩هـ) في تذييل المعيار، والشيخ محمد عليش (ت١٢١٧هـ) في كتابه فتح العلي المالك. وقد اتفقت أقوالهم على أن التعب الشديد قد يقع بسبب الصيام، وقد لا يقع؛ فلا يرخص الفطر لأمر موهوم؛ فحال هذا الصحيح كحال المقيم الذي ينوي السفر نهارًا، ليس له أن يفطر قبل أن يسافر؛ لأنه قد يسافر وقد يعدل عن السفر؛ فيجب عليه تبييت نية الصيام ما دام مقيمًا، وكذلك الصحيح، يجب عليه تبييت نية الصيام، فإذا صام وحصل له تعب واشتد به؛ وخاف حصول ضرر أو هلاك، فعليه أن يفطر.

القول الثاني، وهو قول في مذهب الإمام مالك، قال به الشيخ أحمد الدردير في الشرح الكبير: “وأما الجهد الشديد فيبيح الفطر للمريض. قيل والصحيح أيضًا”. وقال الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي: “وقيل يجوز له الفطر”. واستنادًا إلى هذا القول فإن صحيح البدن إذا خاف حصول ضرر جاز له تبييت الفطر من الليل، ويقضي ما فاته بعد رمضان.

الخوف من الهلاك
وواصل: بعض الناس يغلب على ظنه – بحكم ضعف بنيته، أو بحكم مشقة عمله – أن صيامه هذه الساعات الطوال يؤدي إلى الهلاك، فهذا لا يصح أن نشق عليه؛ فلا نلزمه بصيام معظم النهار، حتى إذا اشتد به التعب في آخر النهار يفطر، ويستمر حاله هكذا طيلة شهر رمضان؛ فهذه مشقة عظيمة. والذي يظهر لي أن هذا التكرار يُعد شدة معتبرة في التخفيف؛ فقد ذكر الإمام شهاب الدين القرافي أنه يعتبر في التخفيف ما اشتدت مشقته، وإن بسبب التكرار، وقال: “وهو الظاهر من مذهب مالك”.

وأردف: غير أن هؤلاء قد يصادفوا أيامًا ليس فيها عمل، كأيام العطلة، أو أن يكون العمل فيها خفيفًا، فهذه الأيام إذا أمكنهم أن يصوموها فيجب عليهم صيامها؛ لأنه لا يجوز لمسلم أن يترك صيام يوم من رمضان وهو قادر على الصيام.

واستطرد: وينبغي ملاحظة أن الخوف المبيح للفطر ليس الخوف المتوهم، وإنما هو الخوف المستند إلى قول طبيب ثقة حاذق، ولا بأس من الأخذ بقول طبيب غير مسلم إذا كان أعرف بالطب، ولا يشترط في إباحة الفطر الاستناد إلى قول الطبيب، بل يكفي الاستناد إلى العرف والعادة، مثل أن يكون قد حصلت للصائم تجربة سابقة، كادت توقعه في الهلاك؛ فيجب عليه حينئذ أن يفطر، ولا يجوز له إتمام صيامه؛ لأن حفظ النفس واجب، وفي صيامه تعرُّض للهلاك، والتعرُّض للهلاك محرَّم؛ فقد قال الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا}. فإن لم يفطر من خشي على نفسه الهلاك فقد عصى الله وخالف أمره.

حكم المريض
وعن حكم المريض في تلك البلاد قال “حكمه حكم المريض في غيرها من البلاد؛ فله أن يفطر إن شاء، وله أن يصوم إن شاء؛ فوجود المرض يبيح له الفطر بنص كتاب الله تعالى. والمقصود بالمرض المرض الذي يخرج بسببه المرء عن حد الاعتدال؛ فيشعر بألم وتعب، وليس وجع الأصبع الخفيف مرضًا، إلا إذا كان له أثر يضعف بسببه البدن، أو يؤدي إلى حمى، وإنما المرض ما يحصل بسببه من الوهن ما لا يحصل للصحيح، فمن كان مصابًا بالسكر أو الضغط أو غيرهما من الأمراض التي يخاف أن يؤدي الصيام معها إلى حصول جهد ومشقة، أو يخاف على نفسه أن يزيده الصوم ضعفًا، فهذا يباح له الفطر.

وتابع: وقد يندب له الفطر إن خاف أن يزيد مرضه، أو يتأخر برؤه، وكذلك إن خشي حدوث مرض آخر، فللمريض في جميع هذه الصور أن يفطر، وقد يجب عليه الفطر إن خاف على نفسه ضررًا شديدًا، مثل تلف حاسة من حواسه، أو الهلاك؛ لأن حفظ النفوس واجب، ثم يقضي الأيام التي أفطرها.

وختم قائلاً: يلحق بالمريض ضعيف البنية وإن كان صحيحًا، ومثله الشيخ الكبير؛ فلهما حكم المريض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط