شهد الشهر الفضيل على إيثاره وسعيه لأمن المنطقة … الفيصل يسطر تاريخا من النجاحات

شهد الشهر الفضيل على إيثاره وسعيه لأمن المنطقة … الفيصل يسطر تاريخا من النجاحات

تم – الرياض: الفقد حالة تتركب أثرا كبيرا في النفوس عموما، فما بالنا إن كان الفقيد رمز تفرض أعماله وأفعاله وأثاره نفسها؛ لتذكرك في كل لحظة بإنجازاته وعطاءاته وتعزز فقده والحاجة إليه، وفي مثل هذه الأيام الفضيلة من رمضان المبارك نستذكر تلك الشخصيات التي لاتزال أسماؤها محفورة في التاريخ، وتعد شخصية سعود الفيصل؛ الرقم الأصعب في السياستين العربية والعالمية، وصاحب كلمة الفصل في المحافل الدولية من أبز تلك الشخصيات التي نرثيها اليوم.

إجازات الفقيد

يعيد نجل الفقيد الأمير خالد بن سعود الفيصل، شيئاً من ذكريات والده، مبرزا أنه “كان – رحمه الله – يحب أن يحدّد موعد إجازته السنوية خلال رمضان، لاسيما في الأعوام العشرة الأخيرة، ويقضي غالبها في لوس أنجلوس؛ حيث يلتم شمل العائلة جميعهم، ويلتقط أنفاسه ويعيش ونعيش معه لحظات حميمة وعائلية لا يمكن وصفها.

إفطار وسحور

وأضاف خالد “كان حريصاً على أن نجتمع جميعاً على سفرة الإفطار التي تحوي في العادة التمر والماء والفول والشوربة، ويصر على أداء صلاة التراويح مهما كان وضعه الصحي، ولم يكن يفضل السحور المتأخّر بل يكتفي بوجبة عشاء خفيفة حفاظاً على صحته”.

وعن شعورهم بفقده يقول “بالتأكيد نحن نشعر بمرارة فقده، وغيابه عنا هذا العام أعاد لنا حزن غيابه، وهذا العام لم نجتمع بداية رمضان لانشغال أغلب أفراد الأسرة، ولكن بإذن الله سنجتمع جميعاً في العشر الأواخر من رمضان”.

وزير الملوك الأربعة

وشهدت طائرة الفيصل – رحمه الله – خلال قرابة نصف قرن، لحظات إفطاره أكثر من أسرته ومحبيه، وكعادة العظماء فاجأ العالم برحيله في صمت وهدوء، كما كان يعمل أيضا طوال حياته التي رسم من خلالها خريطة السياسة لأربعة ملوك تعاقبوا على حكم السعودية، ففي تاريخه تمّ تعيينه وزيراً للخارجية للمرة الأولى في عهد الملك خالد، يرحمه الله، كان في 1975، ليستمر في منصبه في عهد الملك فهد، والملك عبدالله، وأخيرا في عهد الملك سلمان، إذ استمر نحو شهرين في المنصب ذاته، قبل أن يترجل ليكون مستشاراً ومبعوثاً خاصاً لخادم الحرمين ومشرفاً عاماً على الشؤون الخارجية، ليبقى غير بعيد عن ملف السياسة الذي تشربه منذ نعومة أظفاره.

حنكة سياسية

ويعد الفيصل وزير الخارجية الأطول خدمة في العالم، وشهدت فترة تسلُّمه حقيبة وزارة الخارجية عدداً من المحطات التي أثبتت حنكته ودهاءه السياسي، ومقدرته على تغيير مجرى الأمور، فكان أول الملفات التي باشرها في عهد الملك خالد – يرحمه الله – ملف القضية الفلسطينية؛ عبّر عن رأي المملكة في أكثر من محفل سياسي فيما يدور في فلسطين، وأكد أن “المملكة نذرت نفسها لخدمة قضية فلسطين، والمملكة تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى”.

دهاؤه المعهود

وكان للملك فهد – يرحمه الله – دور مهم في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية بعد نحو 15 عاماً من اندلاعها، إذ نجح في جمع كل أطراف الصراع عام 1989 في مدينة الطائف، لتوقّع الأطراف المتنازعة على “اتفاق الطائف” الذي أنهى حرباً فشلت فيها كل محاولات الوساطة الدولية والعربية، كما أجرى دورا مهما خلال حرب تحرير الكويت منذ بداية الغزو العراقي للكويت في 1990 وصولاً إلى تحرير الكويت في 1991، وكانت رؤيته الثاقبة تتنبأ بما سيحدث في العراق، فكان رافضاً غزو الولايات المتحدة للعراق، وبطبيعة الحال رفضه القاطع لمشاركة المملكة في هذا الغزو.

تنبأ بالأحداث

وأبرز الفقيد في مؤتمر صحافي عقده في مدينة تيارت الجزائرية، بعد انتهاء جلسة محادثات مع الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، في 14 تشرين الثاني/أكتوبر 2002 “نرفض الدخول في حرب ضد العراق”، مبينا “نريد حماية العراق من التعرض لضربة عسكرية، ولا نسعى إلى تحقيق أي توازنات في أسواق النفط”، وحدث ما تنبأ به فتدمير كامل للدولة العراقية سمح بتغلغل إيران في شؤونها الداخلية، وتكريس السياسات الطائفية التي كانت السبب المباشر في ظهور الجماعات الإرهابية مثل تنظيم “داعش” المتطرف.

رحلات مكوكية

واضطلع الفيصل بدور دبلوماسي في القضايا العربية وبذل جهوداً كبيرة في الترويج لمبادرة الملك الراحل عبدالله خلال العام 2002 (قبل أن يصبح الملك عبدالله ملكاً وفي أعقاب وفاة الملك فهد) في شأن السلام مع “إسرائيل” وإنشاء علاقات طبيعية معها مقابل تخليها عن الأراضي العربية المحتلة عندما تبنت القمة العربية في بيروت المبادرة، ظهر الأمير سعود الفيصل في إحدى القنوات التلفزيونية الأميركية لشرح بنودها للمجتمع الدولي ونقل عنه خلال المقابلة قوله “كل الجوار سينعم بالسلام مع إسرائيل، سيعترف بحقها في الوجود؛ إذا لم تقدم هذه المبادرة السلام إلى إسرائيل، أؤكد لكم أن فوهة البندقية لن تقدم لها الأمن المنشود”.

١١ أيلول/سبتمبر

عندما تعرّضت الولايات المتحدة لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ حرص الأمير سعود الفيصل على مخاطبة الغرب في شأن ضرورة التمييز بين الإسلام والارهاب، وكان ينظر إلى الأمير الفيصل بوصفه واحداً من أنصار الإصلاحات السياسية والاجتماعية في السعودية، لكن رؤيته هي أن هذه الإصلاحات ينبغي أن تكون تدريجية ومستمدة من الداخل وليس مفروضة من الخارج.

مواقف مشهودة

وفي عهد الملك عبدالله – يرحمه الله – سجّل الفيصل، أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك في 20 سبتمبر 2005 موقفاً حازماً منتقداً السياسة الأميركية في عقر دارها، قائلاً “إذا سمحتم بحرب أهلية، فإن العراق سينتهي إلى الأبد، لقد خضنا معاً حرباً لإبعاد إيران عن العراق بعد طرد العراق من الكويت، عندما قاتلت السعودية ضمن ائتلاف عسكري قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الغزو العراقي، والآن فإننا نسلم البلاد كلها لإيران من دون مبرر”.

رحيل بشار

وعندما احتدم الصراع في سورية بين الأطراف المؤيدة لبشار والمعارضين؛ كانت المملكة العربية السعودية والأمير سعود الفيصل أول مَن طالب برحيل النظام، واتهامه بفقد شرعيته لأمر قواته المسلحة والشرطية والميليشيات التابعة لإيران باستخدام القوة المفرطة ضد شعبه.

أشلاء وجثث

وبيّن أنه “منذ بداية الأزمة السورية في الحادي عشر من آذار/مارس 2011، حتى اليوم بدا واضحاً للعيان أن الأحداث في سورية بدأت تتداعى على نحو مأساوي وعنيف، وكأن أشلاء الموتى وجثث القتلى تستصرخ كل مسلم تقي ونخوة كل عربي أبي، بأيِّ ذنبٍ قُتلوا؟.. وكأننا بأنين الجرحى ونحيب الأمهات الثكالى تصم آذاننا نهاراً جهاراً ماذا فعلتم لحمايتنا ونصرتنا؟ بعد أن تجاوز قتلانا ستة آلاف قتيل لم يسلم منها حتى الشيوخ والنساء والأطفال”.

أزمة مصر

وقف الأمير الفيصل في وجه الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرّضت لها مصر، مبرزا “أن المملكة حكومةً وشعباً ستقف مع مصر في كل وقت وأوان وقضية، هذا ليس غريباً على البلدين”، وأكّد عقب لقائه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند؛ في باريس في الخامس عشر من آب/أغسطس 2013، أن الدول العربية مجتمعة مستعدة لتعويض المساعدات التي تهدّد الدول الغربية بقطعها عن مصر”.

تدخُّل إيران

في عهد الملك سلمان كان للأمير الفيصل دورٌ في موقف المملكة من تدخّل إيران في المنطقة، ودعمها للميليشيات “الحوثية” وفلول الرئيس المخلوع علي صالح وبدء عملية عاصفة الحزم التي أعادت التوازن إلى المنطقة وحظيت بدعم وموافقة عربية غير مسبوقة.

“الفيصل” .. لم يغب

ويبقى “الفيصل” جزءاً مهماً في تاريخ الوطن والأجيال، ويبقى سعود الأوطان حاضراً في كل ذاكرة لمجد الوطن، وفي رمضان تحديداً عندما يستدعي أبناء هذا الوطن عظمة الذين قدّموا النبل والإخلاص في تاريخنا، فإن سعود الفيصل هو ثراء أمسيات رمضان السياسية، وهو الغائب الحاضر في قلوب الجميع، وإن بقي كرسيه حول مائدة الإفطار شاغراً؛ لكنه نابضٌ بالمجد والعطاء، وكل دمعة تسقط في ذكراه هي الفخر قبل كل شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط