رمضان بالـمدينة.. الذاكرة تستحضر “مدفع رمضان” و”فوانيس الزيت” !

رمضان بالـمدينة.. الذاكرة تستحضر “مدفع رمضان” و”فوانيس الزيت” !

تم – المدينة المنورة:جميلة هي العادات والتقاليد الرمضانية في المدينة المنورة والتي توارت بسبب التحضر، واندثرت مع تقادم العهد بها وتغير النسيج الاجتماعي والعمراني من بيوت متلاصقة وأسر متعارفة إلى تعدد الأجناس وتفكك الأحياء.

يذهب رمضان ويأتي آخر ويظل الشوق والحنين ديدن كل جيل لاسيما كبار السن الذين يروون حكايات الماضي الجميل والعادات التي تمنوا لو عادت مجدداً، كان الحي الصغير وهو المعروف بـ”الحوش” بيوتاً محدودة يربطها سور بمدخل واحد، بين أبنائه تألف وتعاطف وتراحم قلما يوجد في الأسرة الواحدة يعرف كل جار حال جاره فيعينه ويؤازره على مشاق الحياة وشظفها، ومع دوي مدفع إعلان الشهر الكريم من “جبل سلع”، يتبادلون التهاني، ويندفع الأطفال بأهازيجهم الجميلة، وتتهادى المنازل المأكولات، ويتقاسمون الفرح بنصب المخيمات والمراجيح.

أكد  المؤرخ المعروف الدكتور تنيضب الفايدي أن النسيج الاجتماعي في المدينة المنورة كان من نوع خاص فقد كان الأهالي يسكنون في حارات مستقلة، الواحدة منها كأنها منزل له بابان مدخل ومخرج، وبعضها بمدخل واحد فقط تسمى “الحوش” وهي مجموعة مبان ملتصقة ببعضها بينها باحة مشتركة لجميع السكان، والبيوت محدودة في عددها تتراوح ما بين (5- 20)

وبين الفايدي أنه من العادات بهجة الأطفال وفرحتهم وخروجهم من المنازل وإنشادهم: “جابوه ما جابوه، ولد العري طهروه، والفانوس في الحوش ولعوه، والإتريك في الحارة علقوه”، وهي من العادات الجميلة المندثرة بسبب الاتساع العمراني والتنظيم والشوارع التي فصلت البيوت عن بعضها، فالحوش قديماً كان يربط الأسر ببعضها حتى كأنها أسرة واحدة.

وقال المؤرخ الفايدي أن الحارة الصغيرة آنذاك كانت متآلفة فكل فرد فيها كأنه مسؤول عنها، حتى أنه لا يستطيع أي غريب دخولها دون استجوابه والتحقق منه ومعرفة ما يريد، كما أن قاطنيها ينامون ولا يعرفون السهر -كما هو الحال اليوم- وينظمون وقتهم للسحور فهناك المسحراتي الذي يطوف بالمنازل بطبلته لإيقاظهم بأهازيجه المعروفة “وحد الدايم يا نايم، سحورك يا صايم..”.

مدفع رمضان

‏وقال الأكاديمي والإعلامي عبدالغني القش “كم يتألم المرء عندما تعود به الذاكرة إلى الوراء قليلاً ‏فيتذكر العادات التي كان أهل المدينة يعتادونها في استقبال شهر رمضان المبارك فقد كان الأطفال والشبان يجوبون أرجاء الحي مرددين الأهازيج التي تنم عن سرورهم، ‏وغبطتهم بمقدم هذا الضيف العزيز مستخدمين في ذلك بعض الآلات التي كانت متاحة في ذلك الوقت”.

ويضيف القش أما أهالي الحي فتجدهم يتبادلون ‏التهاني والتبريكات في مظهر من مظاهر التلاحم بين أعضاء وسكان الحي الواحد، وتمتد هذه التهاني بين الأقارب والأسر فتجدهم يتبادلون التهاني بين بعضهم البعض فرحاً بهذا الشهر الفضيل.

وأوضح أنه يزداد الألم عندما يتذكر المرء مدفع رمضان والذي كان يهز أرجاء المدينة المنورة معلناً قدوم رمضان للجميع، وقد كان هذا المدفع يطرب الآذان ويشنف الأسماع كل ليلة من ليالي هذا الشهر المبارك، فتارة يسمعه الناس عند حلول الفطر أي ‏مع أذان المغرب، وكذلك عند موعد الإمساك ويستمر هذا الاستماع إلى أن يأتي يوم العيد وحينها يهز المدفع ‏المدينة ‏بطلقات عدة معلناً انتهاء رمضان وقدوم عيد الفطر المبارك.

‏وذكر القش أن الجيران كانوا يتبادلون الطعام فيما بينهم فقبيل أذان المغرب يبصر الناس مشهداً جميلاً حيث أبناء الجيران يطرقون ‏الأبواب لتبادل الطعام.

قيم اجتماعية

واستعادت ذاكرة السيدة “أم يوسف” طرفاً من العادات المندثرة ومنها الأكلات المرتبطة بحلول الشهر الكريم، وعلاقات الألفة والمحبة والتكافل، وقالت: كنا نستعد لمقدم شهر رمضان من منتصف شعبان بإعداد الذرة المحمصة والحمص واللب واللوز والحلاوة والمشبك واللحم المجفف من سوق المناخة القديم، وكذلك المكسرات وكأنها ليالي عيد.

وأضافت أنه تذهب بعض الأسر عصراً للمسجد النبوي الشريف، وتفطر هناك وتقرأ القرآن الكريم وتؤدي صلاة المغرب والعشاء والتراويح، ويقوم الأطفال بزيارات للعائلات داخل الأحياء، ويغنون بأهازيج جميلة وهم يحملون الأتاريك -مصابيح الزيت- فتقدم لهم الأسر النقود أو الحلوى أو يقومون بتطييب ملابسهم كل على سعته وقدرته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط