خطيب #الحرم_المكي: احذروا الفتور في العبادة فهو ينقض البنيان

خطيب #الحرم_المكي: احذروا الفتور في العبادة فهو ينقض البنيان

واس – العاصمة المقدسة: أوصى فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور خالد بن علي الغامدي المسلمين بتقوى الله عز وجل ، فتقوى الله أكبر وأجلُّ أسباب النصر والتمكين والتوفيق الإلهي، وما سبق من سبق ولا ارتفع من ارتفع ولا عز من عز إلا بما وقر في القلوب ورسخ من تعظيم الله وإجلاله وتقواه.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام :ها نحن قد فارقنا عن قريب أياماً من أعظم أيام الله المشهودة، وشهراً هو خير شهور السنة، وقد كنا من قبل نهيء النفوس لاستقباله والإعداد له ثم في سرعة عجيبة انقضت أيامه ولياليه المباركة بما حملناها من أعمال ختم عليها فلا تفتح صحائفها إلا بين يدي العليم الخبير يوم العرض الأكبر عليه سبحانه فمن وجد خيرا فليحمد الله، وهنيئاً له القبول والرضا، والدخول من باب الريان إلى جنات النعيم حيث يوفى الصائمون الصابرون أجرهم بغير حساب، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولا يُعَاتِبَنّ إلا ذاته، فالله تعالى قد بلغه الشهر المبارك وفتح له فيه أبواب رحمته وفضله ولكنه أبى واستحب العمى على الهدى، وكلكم يدخل الجنة إلا من أبى.

وأضاف قائلا : إن من أهم الأمور عند المسلم بعد انتهائه من العبادات والأعمال أن يتقبلها الله منه فتراه يعمل ويتقرب إلى الله بصدق وإخلاص لا رياء ولا سمعة ولا حياء في مدح أو ثناء ثم هو يخاف أن لا يتقبل الله منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وهو يقول سبحانه ( إنما يتقبل الله من المتقين) أي: الذين اتقوا الله في ذلك العمل وعملوه بإخلاص وصدق على وفق السنة وهم مع ذلك في خوف وإشفاق أن لا يقبله الله، ولذلك كان من وصف عباد الله المؤمنين، (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) ، وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية من هم أهلها ، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ويزنون فقال: لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم) أخرجه أحمد والترمذي وقال الحسن البصري رحمه الله: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم يخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم، وإن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءةً وأمناً.

وأكد الشيخ الغامدي أن المسلم الصادق يمشي في دروب الحياة سائراً إلى الله على جناحي الرجاء والأمل، والخوف والحذر ، فيعمل الصالحات ويرجو من الله القبول ، ويأمل في رحمة أرحم الراحمين وكرمه، وهو مع ذلك يخشى عذاب الله وسخطه ويخاف من تقلب الأحوال وفجأة النقم وأن يحول الله بينه وبين قلبه فلا يقبل منه أعماله، ورُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورُبَّ قائم وقارئ للقرآن ليس له إلا التعب والسهر، ورُبَّ قلب يقال له: لا لبيك ولا سعديك، فقبول الأعمال عند الله ورضاه عنها وإثابتُه عليها هو أمنية الصالحين وبغية العابدين، وسَلْوة السائرين إلى الله ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).

وأوضح فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام، أن من أخطر الآفات التي تعترض المسلم في سيره إلى الله، أن يصاب بداء الفتور والكسل ويبتلى بآفة الخمول والانقطاع عن العمل، وقد نص الله على قومٍ أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فكيف بمن تفتر همته عن العبادة وينقطع عنها، وحذرنا سبحانه من حالة أولئك الذين يُشيدون بنيان أعمالهم بقوةٍ ويتقربون إلى الله ثم ينقطعون وينقضون بنيانهم (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن عمرو : ( يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح قال صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل عمل شِرَّةً ) يعني اجتهاد ونشاط، ولكل شِرَّةٍ فترةً فمن كانت فترته إلى سنَّتي فقد اهتدى ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك،وثبت عند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لكل شيء شِرَّةً ولكل شرة فترة فإنْ صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه ).

وبين فضيلته أن الفتور والانقطاع يصيب العابدين والعاملين أثناء العمل والعبادة وبعدها، هو اختبار من الله وابتلاءٌ لعباده حتى يعلم الصادق المحبَّ من غيره، ويتبين من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإنْ أصابته فتنة انقلب على وجهه، والسعيد الموفق هو من يكون فتورُه عارضاً مؤقتاً وهو في أثناء ذلك مقيم على السنة والطاعة والإتباع، يسدد ويُقارب ويعالج نفسه بحكمة وبصيرة حتى يعود مرة أخرى إلى العمل والطاعات والقربات بانشراح الصدر وقوة وثبات، هذا هو الصادق مع الله الذي علم الله إخلاصه وصدقه فوفقه وثبته ولم تزل قدمُه في وقت فتوره ولم تتبدلّ مفاهيمُه،وتتغيرْ علاقتُه بربه ولم تعدل ظنونه به سبحانه.

وقال : أما الهالك حقاً فهو الذي كان فتوره وانقطاعه عن العبادة والعمل بوابة نفذ منها إلى التخفف من الواجبات والفرائض والتساهل في المحرمات، قد نقض ما بناه، وانهدم عراه، وتفسخت عزائمه، واعترته شياطين الإنس والجن واتبع هواه فمالت به الدنيا ذات اليمين والشمال فإما أن يقع في بدعة أو تبديل وتحريف أو غلو وتطرف، أو تفريط وتساهل، وقد قص الله علينا موقف عالم بني إسرائيل الذين آتاه الله علماً بآياته ثم بهرته مباهج الدنيا وزينتها فاتبع هواه وأخلد إلى الأرض وفترت همته عن الحق وخرج عن سمت العلماء ووقارهم وانسلخ من آيات الله فوقع في التخريف والتبديل والغواية ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه).

وتابع فضيلته قائلا : إن المسلم حقاً من تكون تقوى الله شعاره طيلة عمره ورشاده مدة حياته، ويكون عمله بالطاعات واجتنابه المعاصي والخطيئات ديدناً له ومنهجاً وسلوكاً، يغتنم الأوقات والمواسم الفاضلة في التعبد والتقرب ويعود نفسه الخيرات حتى تصبح له عادة حميدة وخلقاً وسجية، فإذا انقضت مواسم الخير لم تجده بعدها غافلا لاهياً أو ناقضا عزم الجد والاجتهاد ساهياً، فالله تعالى لم يجعل لانتهاء وقت العبادة والتقرب إليه أجلاً دون الموت ، كما قال سبحانه: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط