“سوق عكاظ” تاريخ من الحضارة الممزوجة بالمتعة وشغف “الانصات”

“سوق عكاظ” تاريخ من الحضارة الممزوجة بالمتعة وشغف “الانصات”

تم – الطائف: يجمع مثقفون ومفكرون عرب، على أن الاستماع إلى درجة “الإنصات المنتبه” لا يقل أهمية أبدا عن المنتج الأدبي أو الفكري المُستمَع إليه، وأبلغ التمجيد يحيط بذاك الشاعر الفحل أو ذلك الخطيب المفوّه وغيرهما؛ مستدركين أن هناك من اهتم أيضا بذاك “المؤدب” الذي يمنح هؤلاء أذنيه للتلقي الواعي والتقصي الأكثر وعيا.

وفي ذلك، أوضح رئيس اللجنة الإعلامية لسوق عكاظ المشرف العام على معهد الفيصل للتنمية البشرية للتدريب عبدالله صالح الحسني، أن تاريخ “سوق عكاظ” يشير إلى هذه الجزئية، إذ إنه على الرغم من حضور كبار الشعراء في زمن المعلقات، وكبار الخطباء الحكماء المفوّهين مثل قس بن ساعدة، كان هناك حضور لما يُعرف في المفاهيم المعاصرة بـ”فن الإنصات”، حيث دوّن التاريخ اهتمام العامة بمنتجات “سوق عكاظ” الأدبية والنثرية، عبر رواية من سمع وأتقن الاستماع المؤدب والحصيف.

وأضاف الحسني: أن قصة حكيم العرب في زمن “سوق عكاظ” القديم “قس بن ساعدة” الذي جاء ذكر خطبته الشهيرة في الحديث الشريف التي يقول في مطلعها: أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مبرزا أنه حينما قال قس بن ساعدة “اسمعوا وعوا”، فقد كانت بدايات الدلالة على حضور “فن الإنصات” بمفاهيمه المعاصرة منذ ذلك العصر القديم، إذ لا يمكن للسامع أن يفهم ما قيل، قبل أن يسمعه جيدا حتى “يعيه”، وهذه هي الرسالة العميقة المبدئية من قس بن ساعدة في مفردتين استهل بهما خطبته التاريخية الشهيرة، ويروي التاريخ عن قس بن ساعدة، أنه أول من خطب وهو متكئ على عصا، وأول من قال الكلمة الشهيرة في الخُطب “أما بعد”.

وتابع: أنه يحدث الإنصات حينما تنقل رسالة تحوي معلومات من مرسل إلى مستقبل في بيئة تخلو من الضوضاء. ويعد فن الإصغاء من أكثر الفنون التي يفتقدها كثيرون الآن، فكل فرد يحب أن يتكلم ولا يعطي فرصة للآخرين للتحدث، ولعل من السائد مجتمعيا، من خلال برامج النقاش والحوار مثل الندوات واللقاءات، سيادة كلام المجموعة في آن واحد، إذ لا يعطى أي فرد منهم فرصة للآخر لكي يتحدث، مما يسفر عن حالة من التوتر والتشويش دون الخروج بأي معلومة مفيدة أو استفادة، فهناك قاعدة شهيرة تقول “إذا استمعت جيدا.. تحدثت جيدا”.

وأردف: أنه إذن مفهوم “فن الإنصات” -حسب الحسني- يقود إلى مفهوم أرقى هو “الحوار”، والإنصات عبر تاريخ “سوق عكاظ” ساعد في تنمية الحوار المجتمعي، وهذا ما يحصل اليوم في المجتمعات، وفي المملكة يقوم بدور الموجه لهذه القيمة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.

وزاد: أن “فن الإنصات” مرتبط بــ”التنمية” في كل حالاتها، ومنها “التنمية الإدارية”، من خلال جزئية التعامل والاتصال، ومن هنا -والحديث هنا للحسني- فإن الإنصات يمثل طريقا ذا اتجاهين، ففي اتجاه يجب على المتحدث أن يتبع القواعد الأساسية للفهم والاستيعاب لمساعدة المنصت على الفهم، وفي الاتجاه الآخر على المنصت أن يراعي بعض الإرشادات حتى يلتقط رسالة المتحدث، ويجب أن نتذكر أن هناك أكثر من منصت لمتحدث واحد؛ لكن المعلومات التي تصل لكل منصت قد تكون واحدة وقد لا تكون، بحسب تمسُّك المنصت بمبادئ الاتصال السليم التي يراها اختصاصيو التنمية البشرية.

وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – تبدأ فعاليات الدورة العاشرة لمهرجان سوق عكاظ خلال الفترة من 6 إلى 11 ذي القعدة المقبل في محافظة الطائف وسط مشاركة أدباء ومثقفين وشعراء وأكاديميين من داخل المملكة وخارجها.

ورفع مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة رئيس اللجنة الإشرافية لسوق عكاظ الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز، باسمه واسم أهالي منطقة مكة المكرمة، الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين لرعايته هذه التظاهرة الثقافية، التي تأتي امتداداً لعنايته بالمحافل العلمية والفكرية والأدبية.

وبين عبدالعزيز، أن سوق عكاظ منذ إعادة إحيائه حظي بدعم القيادة في المملكة، الأمر الذي أسهم في تحوله إلى ظاهرة ثقافية تخطت المحلية، وأصبح محط اهتمام المشاركين من داخل المملكة وخارجها، مشيداً في الوقت ذاته بتضافر جهود القطاعات الحكومية والأهلية ومشاركات الأدباء والمثقفين التي أسهمت أيضا في وصول السوق إلى مكانته الحالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط