كيف اختلف توصيف المواقع مع دخول الثورة التكنولوجية

كيف اختلف توصيف المواقع مع دخول الثورة التكنولوجية

تم – الرياض:حيت تدعوك الحاجة إلى الذهاب لمكان وأنت تجهل أين يقع فلا بد أن تستعين بمن يدلك عليه؛ حيث يبدأ في إرشادك من أول نقطة تعرفها قريبة من ذلك الموقع كطريق أو منزل أو غيره، ويقولون في المثل قديماً (من سأل ما تاه)، وكانت الاستعانة بالغير في الوصول إلى وجهة غير معروفة مسبقاً سمة تميز بها جيل الأمس ولازال الناس إلى يومنا الحاضر يسترشدون بمن يدلهم لاسيما من كبار السن الذين يصعب عليهم التعامل والاستعانة بما حققته التكنولوجيا من تقدم وتبسيط للحياة المعاصرة ومن ضمنها خدمة تحديد المواقع عن طريق استخدام أجهزة الاتصال الذكية التي باتت تدلك على أي شيء ليس في بلدك الذي تقيم فيه بل أي مكان في العالم.

وبعد أن كنت تسمع من يريد إرشادك جملة (خله على حجاجك الأيمن وابتل سيده يجيك على يدك اليسار) أي اجعل الشيء الذي يريد منه بداية توضيح الطريق كمبنى أو جبل أو شجره أو حتى القمر على حاجبك الأيمن ثم انطلق بخط مستقيم بعد ذلك تجده على يسارك، وقد عانى كثير من الناس من عمليات الوصف قديماً التي بعضها كالطلاسم التي يحتاج معها جيل اليوم إلى فك شفراتها أولاً كي يعرف المراد منها لترشده إلى ضالته، ولكن مع التقدم التكنولوجي لم يعد أحد من المتعاملين مع تلك الأجهزة الذكية بحاجة إلى من يرشده حتى ولو كان في سياحة إلى دولة أجنبية؛ حيث بات في وسعه الوصول إلى أي شيء يرغبه من فنادق أو مطاعم أو متنزهات دون الحاجة إلى الاستعانة بمرشد سياحي.

من المواقف الطريفة في عالم الوصف ما يكون خافياً على الناس العاديين إذ لا يستطيع أحد الوصول إلى المكان الموصوف إلا إذا كان ذا فراسة ودراية ومن أشهر القصص في هذا المجال قصة الشاعر والخبير بالطقس والطوالع راشد الخلاوي الذي كان يعرف بدقة الوصف وتحديد الأماكن ومعرفة معالم الجزيرة وأعلامها، وقد كان لديه بندقية من نوع (الفتيل) وهي عزيزة لديه جداً فقد ألفتها عينه ويده ولما شعر بالثقل أي بكبر السن، وتدانت خطاه أحب أن يودعها (دحلا) من دحول (الصمان) يقال له (أبومروة) ضناً منه بها ومحبة في أن يهتدي ابنه إليها بالوصف وامتحان المعرفة، وإن لم يهتد إليها فأولى بها أن تفنى في دحلها من أن يحملها غيره أو أن يحملها ابن ليس في الحذق والذكاء وتسديد الرماية كأبيه، فقال واصفا معميا في بيتين هما:

عن طلحة الجُودي تواقيم روحه

عليها شمالي النور يغيب

وعنها مهب الهيف رجم وفيضه

وحروري إن كان الدليل نجيب

ولما كبر ولده وبلغ مبلغ الرجال أخبرته أمه بوصف أبيه فعمد إليه واستخرج البندقية منه، وأدار نظره وفكره حول الدحل فوجد هنالك قريبا من فم الدحل مروة (كتلة حجرية صلبة بيضاء من الأمعز الصوان) فقال لو وصف والدي هذا الدحل بهذه المروة لكان وصفا منطقيا تماما، فلو قال:

وترى دليله مروة فوق جاله

خيمة شريف في مراح عزيب

ومن الوصف قديماً ما يكون تعجيزياً وغير مفهوم مما يجعل المرء يفغر فاه متعجباً وهو يتلقى هذا الوصف فمثلا تصور أن يصف لك شخص مكان إقامة مخيم ربيعي له فيقول (خل حجاجك الأيمن على مطلع سهيل، وخلك مسند وإذا اعترض لك شعيب حوله رمث امش دونه لين تلقى لك ضلع حنا عنه قبله) فلا شك أنك لن تغامر وتذهب على ذلك الوصف بل ستستزيد من يدعوك إلى الزيارة بعدة أوصاف مبسطة لتغامر وتذهب أو أن تطلب منه أن يقلك إلى مخيمة وقد تؤثر العافية وتعتذر منه بلطف عن قبول الدعوة، وفي المقابل فقد يكون البعض مبالغاً في الوصف ومسهلاً له وهو بعكس ذلك؛ حيث كثيراً كنا نسمع كلمة (حذفة عصا) للدلالة على قرب الموقع ولكن عند الذهاب تفاجأ بأن المكان بعيد جداً وليس ببعد (حذفة العصا) التي هي في الأصل مجازية تستخدم للمبالغة وللتسهيل والترغيب، وقد يحدث أن يطلب أحد من الناس الوصف من آخر ولكنه لا يفهم طريقة الوصف فيكون مسيره الضياع كما حدث لأحد المسافرين الذي كان يرغب في السفر إلى أحد بلدان نجد قديماً وهي (مرات) والتي تشتهر بوقوعها تحت سفح جبل كميت التي تشتهر به وصار مضرب مثل لملاصقتها له، وبعد مسيرة وقبل وصوله إليها وصل إلى جبل طويل بدا له فحث المسير إليه ظاناً بأنه جبل كميت وهو مغمور بالفرحة لوصوله إلى (مرات) فلما وصل إليه لم يجد البلدة فأخذ يبحث عمن يدله إلى أن رآه شاعر فدله على الطريق وقال بيت شعر خلد هذه القصة وصار مثلاً يتناقله الناس إلى يومنا هذا وهو:

وصفوا له مير ما دل الوصايف

يحسب ان كميت خشم المكمكية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط