ورحل المجاهد بـ 39,4 مليون دقيقة لم تضيع

ورحل المجاهد بـ 39,4 مليون دقيقة لم تضيع
تم –  مقالات – صالح السعيد : لم يكن الأمير سعود الفيصل رجلاً عادياً، ولم يقبل أن تمر الـ ٧٥ عاماً هباءاً، فكان مجاهداً طوال حياته، مضحي بصحته وراحته لإعلاء كلمة التوحيد، فعرف طوال الـ٤٠ عام التي ترأس فيها هرم السياسة السعودية الخارجية، بأنه كان مجاهداً، لا يحتمل العمل معه أحد.
فكان فقيد المملكة والعرب، بل والعالم، رجل لا يعرف النوم أو الإسترخاء، فكان -رحمه الله- يرى بأن كل دقيقه تمر هي ثمن لشيء ما، وخلال عمله الطويل كوزيراً للخارجية من ١٩٧٥م حتى إعتذاره ٢٠١٥م، لم نرى صوراً شخصية له، وإن رآها أحدكم فهي نادرة جداً، فكانت جميع صوره في نطاق العمل، من إجتماعات أو مباحثات وحوارات، بل ولم تشاهد طائرته مستقرة في مطار ما، بل كانت في تعب أيضاً، فكان معدل طيران الطائرة الخاصة به يصل لحوالي ١٤ ساعة باليوم، ووفقاً للوفد المرافق له في الرحلات المكوكية، ينام بمعدل لا يزيد عن ساعتين على كرسيه، وهو فاتحاً عيناه، أثناء قراءته لقضية أو ملف سياسي.
الأدهى ما يروى عن أميرنا الإستثنائي، أنه كان يقود سيارته بسرعة جنونية، الأمر الذي يضع الوفد المرافق والحرس الشخصي لسموه في حرج، لصعوبة اللحاق به والوصول بوقت متوازي مع وصوله لهدفه، وعلماً أنه لم يكن يزور مكتبه في الوزارة إلا نادراً، فليس لعراب السياسة السعودية وقتاً يقضيه على الكرسي خلف طاولته، نقل لي أحد الزملاء يوماً، بأن مرافقة سموه في رحلة خارجية أشبه بعقوبة، فسموه لا يكل ولا يمل عن الإلتزام الدقيق، ولا عجب إن وصف بأدق إنسان على وجه الأرض.
ومن أقوال “اللوبي السعودي لوحده” الأمير سعود الفيصل -كما وصفوه- الأشهر والتي تناقلتها وكالات الأنباء “ليس من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها لأنها كيان محتل”، ليصر على موقفه وموقف دولته الثابت تجاه القضيّة الفلسطينية والمحتل الاسرائيلي، ولا عجب أن يقول ذلك فهو من خلع السماعات أثناء كلمة الوفد الاسرائيلي، لأن ليس لديه وقت ليسمع ماذا سيقول الوفد الصهيوني، وكان يرفض مصافحة الوفد الإسرائيلي أو الاجتماع معهم بقوله “لم نأتي للتهريج وتضييع الوقت”، لمعرفته بقناعة سياسيين تل أبيب ومستوى صلاحياتهم.
لذا لا عجب أن يقول وزير خارجية أمريكا السابق -حتى ٢٠٠٥- كولن باول “أن سعود الفيصل يعادل اللوبي اليهودي، بل ويعتبر لوبي سعودي”، وكان -تقبله الله- حكيماً ذكياً، ولا عجب أن تصف الصحافة اليابانية المرض الذي أصابه -وسبب له الرعشة أثناء الحديث- ساخرة بأنه أصابه لشدة ذكائه، وقال إليوت برامز -عضو الكونجرس الأمريكي- محادثاً رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش “لو سمعت كلام سعود الفيصل سيغنيك عن مستشاريك بالشرق الأوسط”، وقال برنار كوشنير وزير خارجية فرنسا -من ٢٠٠٢ حتى الأن- “سعود الفيصل أكبر الساسة في العالم حنكة وحكمة، وأشهد له بكل معنى فأنا انتبه لكلامه جيداً”، وقال وزير داخلية روسيا فلاديمير كولوكولتسيف -من ٢٠١٢ حتى الأن- “اخشى نظرات سعود الفيصل، ولا أعلم إن كان يكترث لكلامي خارج النص أم لا”، وفي ذاكرتي مجلدات عما قالوا في فقيدنا الكبير، لا يسعني ذكرها في وقع الصدمة الأن.
سأختم حديثي بقول ابن شهيد فلسطين “المملكة نذرت نفسها لخدمة قضية فلسطين”، وهذا ما أكده طوال حياته، ورسم برفقة أعمامه ملوك المملكة مسار السياسة السعودية الخارجية، فكانوا -رحم الله من توفي منهم، وحفظ ملكنا سلمان- يقدرون رأيه، ويوكلونه بالحديث بالنيابة عنهم، لعلمهم بأنه تشرب سياسة المملكة، واقتبس من خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان للأمير سعود الفيصل -بعد طلبه الإعفاء نظراً لظروفه الصحية- “ويعلم الله أن تحقيق طلب سموكم من أصعب الأمور علينا وأثقلها على أنفسنا إلا أننا نقدر عالياً ظرفكم ونثمن كثيراً مشاعركم، وإننا وإن استجبنا لرغبة سموكم وإلحاحكم غير مرة فإنكم ستكونون -إن شاء الله – قريبين منا ومن العمل الذي أحببتموه وأحبكم وأخلصتم فيه وبذلتم فيه جهدكم بلا كلل ولا ملل”.
وحتى وإن رحل سعود، فكلنا في المملكة تشربنا فكره وأحاديثه وحكمته، وستظل مملكتنا ولادة للرجال المعجزات.
تويتر: @SALEEH10

8 تعليقات

  1. ممداه يكتب المقال، والله لونه ايش !

  2. الله يرحمه ان شاء الله وغفر له

  3. غير معروف

    الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته

  4. مدا حي الميت ادعوله بالرحمة في هذ الساعات المباركه أفودله

  5. ألله يرحمه ويتجاوز عنه ويثبته على القول الثابت آميييين

  6. أسأل الله أن يرحمه ويغفر له

  7. غير معروف

    الله يرحمه ويغفرله

  8. الله يرحمه ويغفر له صعب يتكرر رجل مثل سعود الفيصل بأفعاله

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط