كبوة “ستاندر آند بورز” وثقة المملكة

كبوة “ستاندر آند بورز” وثقة المملكة

خاص لتم: ولاء عدلان : “إذا كانت أميركا تستطيع أن تدمر أي دولة بقوتها العسكرية فإن (موديز) تستطيع تدمير أي دولة من خلال تصنيف سنداتها ومنعها من الاقتراض من أسواق المال العالمية”، هكذا قال توماس فريدمان، منذ أكثر من ثلاثة عقود، في وصفه لقوة واحدة من أهم وكالات التصنيف الائتماني بالعالم “موديز”، والتي لا تقل أهميتها عن أهمية شقيقتها الكبرى “ستاندر آند بورز”، و”فيتش” الأخت الصغرى والأقل تأثير، ويبدو أن فريدمان كان يملك بعد نظر، إذ أنَّ خبرًا عن تخفيض “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني السيادي الطويل الأجل للسعودية، بالعملتين الأجنبية والمحلية، إلى A+/A-1 من AA-/A-1+ كان كفيلاً بأن يشعل جدلاً واسعًا، منذ مطلع الأسبوع، لدرجة دفعت وزارة المالية إلى التحرك دفاعًا عن المتانة المالية للمملكة.

فبعد يوم من نشر الخبر، أًصدرت وزارة المالية بيانًا صحافيًا تنتقد فيه قرار التخفيض قائلة “إن المملكة تعد التقييم الذي قامت به الوكالة عبارة عن ردة فعل متسرعة وغير مبررة ولا تسندها الوقائع، حيث استندت الوكالة في تقييمها إلى عوامل وقتية وغير مستدامة، كما لم يكن هناك تغير سلبي في العوامل الأساسية التي عادة تستوجب تغير التقييم، وأنه بالنظر إلى أساسيات الاقتصاد السعودي، فلا تزال – ولله الحمد – قوية مدعومة بأصول صافية تزيد عن 100 % من الناتج المحلي الإجمالي واحتياطي كبير من النقد الأجنبي”.

ماذا قالت الوكالة الشهيرة لتغضب المملكة بهذا الشكل؟

“ستاندر آند بورز” خفضت التصنيف الائتماني للمملكة إلى A+ وقالت في تقريرها “إن قرار التخفيض ارتكز على التحديات التي تواجه السعودية في إيقاف نمو عجز الموازنة المالية، وإنها لا تستبعد تخفيضا إضافيا للتصنيف الائتماني خلال العامين المقبلين إذا عجزت المملكة عن تخفيض العجز في الموازنة بشكل كبير وقابل للاستمرار”.

وأضافت الوكالة أن العجز في موازنة السعودية بلغ 16 % من الناتج القومي الإجمالي خلال العام الجاري مقارنة بـ 1.5 % عام 2014، وذلك بسبب الهبوط الحاد في أسعار النفط الذي يشكل المصدر الرئيسي لعائدات المملكة، وبافتراض تنفيذ إصلاحات للإنفاق والدعم نتوقع أن تنخفض الأصول الصافية للحكومة إلى 79 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2018.

 

“موديز” و”فيتش” تردان

لكن “موديز” كان لها رأي أخر، إذ ثبتت منذ أيام التصنيف السعودي السيادي عند درجة(Aa3) مع إبقائها للنظرة المستقبلية المستقرة، مؤكدة أن المملكة تمتلك موجودات مالية وافرة تقدر بنحو 2.8 تريليون ريال، هذه الموجودات ستسمح لها بتجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط وكذلك بدعم العجز المالي في الموازنة.

واعتبرت الوكالة العالمية أن السعودية أمام مستوى “منخفض جداً” من الديون بنحو 1.6% من الناتج الإجمالي المحلي بنهاية 2014، بما  يسمح لها بمزيد من المرونة في إصدار ديون محلية لتمويل عجز الموازنة خلال العام الجاري والعامين المقبلين.

واتفقت معها وكالة “فيتش” فيما يتعلق بقدرة المملكة على تجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط، وتوقعت في تقرير صدر في أغسطس الماضي أن تنخفض نسبة العجز في الموازنة العامة للملكة خلال العامين 2016 و2017، مع استمرار تخفيض النفقات الرأسمالية  للدولة، بجانب غياب النفقات الاستثنائية التي تمت خلال 2015، بالإضافة إلى انتعاش تدريجي ستشهده أسعار النفط مطلع العام المقبل.

كما توقعت الوكالة أن يسجل الحساب الجاري للمملكة وللمرة الأولى منذ 1998 عجزا خلال  2015، وذلك نظرا لانخفاض أسعار النفط، على أن  يحقق فائضًا في عام 2016.

وعلى الرغم من ذلك خفضت “فيتش” نظرتها المستقبلية للسعودية من مستقرة إلى سلبية، مع تأكيد تصنيفها للديون السيادية طويلة الأجل للسعودية بالعملتين المحلية والأجنبية عند (AA)، فيما ثبتت تصنيفها للدين السيادي القصير الأجل بالعملة الأجنبية عند (F1 ).

 

تقارير مبالغ فيها

المشترك بين تقارير الوكالات الثلاثة المبالغة في تقديرها لتأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد السعودية، على الرغم من أنه عامل متغير، في حين غضت الطرف عن أمور أخرى أساسية.

صحيح أن النفط يمثل نحو 90% من الإيرادات الضريبية للمملكة، و80% من إيرادات الحساب الجاري، و40% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن المملكة في المقابل تملك أصولا صافية تزيد على 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، واحتياطيات مالية تقدر بنحو 2.8 تريليون ريال، تستثمر جزء كبيرا منها في أدوات مالية دولية آمنة وقليلة المخاطرة، أو على شكل ودائع نقدية خارج وداخل المملكة، بحسب تقارير مؤسسة النقد العربي السعودي، وتقدر الملاءة المالية في البنوك المحلية بودائع تتجاوز نحو 1.7 مليار ريال.

كما تمتلك السعودية احتياطيًا من النقد الأجنبي والذهب يزيد عن احتياطيات 21 دولة عربية مجتمعة بما فيها دول خليجية مصدرة للنفط، إذ يقدر بنحو 647  مليار دولار أميركي، وبحسب التقارير الرسمية ارتفع هذا الاحتياطي في ديسمبر 2014 وحده بنحو 216.1 مليار ريال، بزيادة قدرها 21.4 مليار ريال عن الفترة نفسها من العام 2013.

وتوزع المملكة هذه الأصول الاحتياطية الأجنبية بين ودائع في بنوك أميركية وأوروبية واستثمارات في أذون خزانة وسندات صادرة عن حكومات الدول الثماني الصناعية الكبرى.

وبالنسبة للحساب الجاري السعودي فحقق طوال الـ15 عامًا الماضية فوائض مالية ضخمة، لكنه هذا العام وبحسب تقديرات مؤسسة النقد العربي “ساما” سيحقق عجزًا يقدر بـ 1% من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يعود لتحقيق الفوائض المالية خلال العام المقبل.

أما العمود الفقري للاقتصاد السعودي “النفط”، بحسب نظرة وكالات التصنيف الائتماني، فمن المتوقع أن تشهد أسعاره حركة تعافٍ بحلول 2016، مع انخفاض معدلات الإنتاج خارج “أوبك”، حتى أن بعض المحللين لا يستبعدون أن يعود النفط إلى مستويات الـ 70 دولاراً في العام المقبل، لاسيما بعد أن أغلقت أسواق النفط تعاملات أكتوبر على ارتفاع.

وكانت “ستاندرد آند بورز” بنت تقريرها في شأن نظرتها المستقبلية للاقتصاد السعودي على أساس أن يظل سعر النفط عند 63 دولاراً للأعوام الثلاثة المقبلة.

 

الحلول مستمرة

وعلى الرغم من أزمة انخفاض أسعار النفط، إلا أن اقتصاد المملكة يواصل نموه بخطى ثابتة، وسط توقعات من صندوق النقد الدولي بأن يسجل في 2016 معدل نمو بنحو 2.4 % على الأقل ومن يواصل النمو بشكل مستقر وصولا إلى  3.2 % بحلول 2020.

وعزز نمو الاقتصاد السعودي وجود قطاع خاص قوي قادر على المشاركة في خطط التنمية، هذا فضلا عن دور سياسات الحكومة الخاصة بتنويع الاقتصاد وتشجيع الصناعات غير النفطية، والتي بدأت تؤتي ثمارها إذ قُدرت صادرات السعودية غير النفطية منذ بداية العام حتى نهاية شهر أغسطس الماضي بنحو 122.9 مليار ريال.

وفي شأن عجز الموازنة المرشح للتراجع خلال العامين المقبلين، فالحكومة قادرة على تمويله من خلال السحب من الاحتياطات المالية الضخمة أو من خلال إصدار السندات، لاسيما مع قدرة البنوك المحلية على إقراض الحكومة، كما أن إصدار السندات من شأنه أن يسهم في تنشيط سوق السندات والصكوك بالسعودية.

وفي إطار سعيها إلى ترشيد الإنفاق العام، أنشأت السعودية مؤخرا مكتبا خاصا لتشديد الرقابة على الإنفاق الحكومي، ومتابعة مشاريع البنية التحتية، بما يضمن تنفيذ هذه المشاريع في الوقت المحدد وفي إطار الميزانية المحددة.

كما نجحت الحكومة في ضبط الإنفاق وتخفيض معدلات نموه إلى 2% خلال العام الجاري، بعد أن سجل متوسط 14% خلال الفترة من العام 2010 إلى 2014 ، ويتوقع أن ينخفض بشكل أكبر بمجرد انتهاء المملكة خلال الأعوام القليلة المقبلة من مشاريع البنية التحتية التي تبتلع الحصة الأكبر من الإنفاق.

 

بقي أن نذكر أن المملكة تمتلك احتياطي مؤكد من النفط مستقر بحدود 260 مليار برميل منذ 1990 رغم الإنتاج اليومي بمعدل يزيد عن 8 مليون برميل، وهو ما يؤكد أنها ستعوض خسائرها في وقت قصير بمجرد تعافي أسعار النفط.

السعودية لم تكن الكبوة الوحيدة لـ”ستاندر آند بورز” وشقيقاتها، المسيطرات على تصنيف أكثر من 95% من إصدارات الدين حول العالم سواء للشركات أو البنوك، نذكر تقارير هذه الوكالات التي توقعت منذ عامين انهيار العملاق الصيني وهو ما لم يحدث حتى الآن، كما نذكر حينما بالغت هذه الوكالات في تقييمها لأوراق الرهن العقاري الأميركية عام 2008، إذ منحتها تصنيفًا ائتمانيًا ممتازًا واتضح بعد انفجار فقاعة الرهن العقاري عجز أصحاب هذه الأوراق عن سداد ديونهم، ونتيجة لهذه السقطة اضطرت “ستاندر آند بورز” في مطلع العام الجاري لإبرام تسوية مع وزارة العدل الأميركية و19 ولاية ستكلفها مليار ونصف دولار لتتخلص من سلسلة دعاوى قضائية تطاردها بسبب سندات الرهن العقاري، كل هذا يؤكد أن هذه الوكالات لم تعد كما كانت في السابق مصدر للثقة المطلقة فهي أحيانا تضطر لمحاباة دول وشركات للحصول على مزيد من المكاسب في عالم لا يعرف سوى لغة المادة.

تعليق واحد

  1. بلاش الكذب على بعض. ..
    وين توفير الوظائف للخريجين والخريجات
    وين السكن للمواطنين. ..وأغلب المشاريع توقفت
    الله المستعان. ….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط