#قمة_الرياض وفرص الهروب من فلك القوى العظمى  

#قمة_الرياض وفرص الهروب من فلك القوى العظمى   

 

تم ـ ولاء عدلان ـ اقتصاد : أسدل الستار على القمة الرابعة للدول العربية ودول أميركا الجنوبية مساء الأربعاء الماضي في الرياض، لكنه لم يسدل بعد على آمال شعوب هذه الدول في الهروب من فلك القوى العظمى بالعالم، والتقدم نحو صفوف العالم الأول عبر تكتل اقتصادي قوي قادر على المنافسة الدولية مستقبلا.

هذه الآمال كانت حاضرة في البيان الختامي للقمة والذي أكد من خلاله زعماء الدول المشاركة وعددها 34 دولة بواقع 22 دول عربية و12 دولة أميركية جنوبية، على أهمية دور التكتلات والتجمعات الإقليمية، وضرورة استمرار الحوار والتعاون القائم بين الإقليمين لتطوير شراكة استراتيجية قائمة على المصلحة والاحترام المتبادل.

وعلى الرغم من أن أقصر مسافة بين العرب واللاتينيين جغرافيا هي المسافة بين المغرب والبرازيل وتقدر بنحو 6900 كيلومتر، فإن ما بين هذين الإقليمين الكثير مما يقرب المسافات المتباعدة، فهناك تاريخ مشترك يجمعهما منذ أن كانت سفن التجارة العربية تبحر محملة بصادرات الشرق العريقة إلى موانئ أميركا وغيرها من قارات العالم، حتى أن شعوب الإقليمين تجرعان آلام الاستعمار الأجنبي نفسها خلال القرن الماضي. 

تاريخ مشترك

لهذا لم يكن غريبا أن نشاهد دول أميركا الجنوبية تسبق بلدان العالم في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ودعم قضيتها في المحافل الدولية، بل أن الشعوب اللاتينية خرجت في مظاهرات حاشدة على مر الأعوام الماضية تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني وتطالب بمقاطعة إسرائيل على المستوى الرسمي.

كما لم يكن غريبا أن تكون دول أميركا الجنوبية في مقدمة دول الشتات العربي إذ يتواجد على أراضيها نحو 45 مليون شخص من أصول عربية، غالبيتهم في البرازيل وفنزويلا والأرجنتين، واستطاع أبناء العرب في هذه البلدان ترك بصماتهم في المجالات كافة بل الوصول بشكل استثنائي إلى رأس الحكم كما حدث في المكسيك عام 1930 عندما وصل إلى الرئاسة الياس انكايسي صاحب الأصول العربية، وفي التسعينيات فاز بانتخابات الرئاسة في الأرجنتين كارلوس منعم السوري الأصل.

ومنذ التسعينيات بدأت الدول العربية تشارك إلى جانب دول أميركا الجنوبية في المنظمات الدولية، ففي عام 1945 شاركت خمس دول عربية مع ثماني عشرة دولة أميركية لاتينية في صياغة ميثاق الأمم المتحدة، كما التقى الجانبين في مؤتمرات حركة عدم الانحياز وفي إطار مجموعة الدول النامية المعروفة باسم مجموعة الـ77 وفي مؤتمرات حركة شعوب القارات الثلاث، وفي منظمة أوبك التقت أيضا سبع دول عربية منتجة ومصدرة للبترول مع دولتين لاتينيتين هما الإكوادور وفنزويلا.

القمة وآمال التكتل الاقتصادي

وبمبادرة من قبل الرئيس البرازيلي دا سيلفا تأسست القمة العربية اللاتينية لتحتضن نسختها الأولى العاصمة البرازيلية في مايو 2005، وسط تطلعات بأن تمثل خطوة جديدة نحو الفرار من فلك الولايات المتحدة والقوى العظمى عبر تأسيس تكتل سياسي  اقتصادي يجمع البلدان الناشئة بعيدا عن أنياب الدول العظمى التي بدأت تلاحقها الأزمات الاقتصادية كما تلاحق الأمراض جسد هرم.

واتفق العرب واللاتينيين على أن تعقد القمة بشكل دوري كل ثلاثة أعوام، وبالفعل عقدت القمة الثانية في العاصمة القطرية الدوحة في 31 مارس 2009، والثالثة في العاصمة الفنزويلية ليما في 2 أكتوبر 2012، وأخيرا القمة الرابعة التي استضفتها الرياض الثلاثاء الماضي، وهي الأهم إذ تجاوز إعلانها الختامي غالبية النقاط الخلافية فيما يخص بعض القضايا السياسية، ودعا إلى ضرورة تحقيق السلام “العادل والشامل” للقضية الفلسطينية، وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية الرامية إلى إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967، كما شدد على ضرورة التوصل إلى حل سلمي للازمة السورية وفقا لما جاء في بيان جنيف-1 ومؤتمر فيينا، وكذلك حل الأزمة اليمنية، ودعم الحوار السياسي بين مختلف أطراف النزاع في ليبيا.

كما ركز البيان الختامي للقمة الرابعة على ضرورة استمرار التعاون القائم بين الإقليمين لتطوير شراكة استراتيجية قائمة على المصلحة والاحترام المتبادل، مؤكدا إدراك الجميع الدور المهم الذي تقوم به التكتلات والتجمعات الإقليمية خلال الوقت الراهن.

نعم فالجانب الاقتصادي يعد الأهم على طاولة هذه القمم، لهذا جرت العادة أن يسبق اجتماع القمة عقد منتدى لرجال أعمال من الإقليمين، لبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك ورفع توصياتهم في هذا الشأن إلى القيادات السياسية المشاركة في القمة لدعمها وإجازتها.

ومنتدى هذا العام استضافه مجلس الغرف السعودية بالرياض وعقد الأحد الماضي بمشاركة نحو 400 من رجال الأعمال العرب واللاتينيين، وتوصل إلى مجموعة من التوصيات لدعم التعاون الاقتصادي بين الجانبين، كان في مقدمتها إنشاء شركة قطاع خاص مشتركة للنقل البحري وأخرى للخدمات اللوجستية، زيادة الرحلات الجوية المباشرة بين الدول العربية ودول أميركا الجنوبية، تسهيل منح تأشيرات الدخول للسياحة والأعمال، تعزيز مستوى التمثيل التجاري المتبادل بين المنطقتين وتشجيع إنشاء مجالس أعمال ثنائية في دول المنطقتين.

تعاون لم يكتمل بعد

وعلى الرغم من أن القمم العربية اللاتينية دعمت تطوير العلاقات الاقتصادية بين الجانبين خلال السنوات الماضية، إذ حققت التجارة بينهما خلال الفترة من ٢٠٠٥ إلى ٢٠١١ نمواً تجاوز الـ 100 % ليصل حجم التبادل التجاري بين الدول العربية وشريكتها اللاتينية بنهاية عام 2014 إلى 30 بليون دولار مرتفعا من 6 بلايين دولار عام 2005، وارتفع حجم التبادل التجاري بين المملكة والبرازيل وحدهما إلى نحو 27 مليار ريال عام 2014، إلا أن هذه العلاقات لازالت في حاجة إلى مزيد من التوطيد وصولا إلى مستوى التكتل الذي تتطلع إليه زعامات الدول الـ34 وشعوبها. 

ولعل هذا ما أكده وزير المالية السعودي الدكتور إبراهيم العساف خلال ترأسه فعاليات المنتدى الرابع لرجال الأعمال، عندما قال إن العلاقات بين الجانبين قطعت شوطا لا بأس به في عدد من المجالات، إلا أن ذلك لم يرق إلى ما يتطلع إليه الجميع، لاسيما في المجالات التجارية والاستثمارية، عطفا على ما تتمتع به دولنا من فرص واعدة في المجالات كافة، كالطاقة والبناء والتشييد والصناعات التحويلية، والمكانة التي تحتلها في الاقتصاد العالمي.

ويرى مختصون أن زيادة مستويات التبادل والتعاون التجاري والاستثماري بين العرب واللاتينيين من شأنها أن تؤدي إلى بروز تكتل اقتصادي قادر على المنافسة الدولية، لاسيما وأن دول الإقليمين تمتلك أكبر احتياطي عالمي للنفط والغاز تحديدا المملكة وفنزويلا، هذا فضلا عن المواقع الجغرافية الاستراتيجية لهذه الدول وما تمتلكه من ثروات معدنية وبشرية ومقومات سياحية تفتح الباب أمام فرص للتعاون الاقتصادي اللانهائي في مجالات أبرزها الطاقة والصناعة والزراعة والسياحة والتعليم.

لكن هذا التعاون لكي يصل إلى المستوى المطلوب يحتاج لعدة خطوات استراتيجية، لعل أهمها إنشاء منطقة تجارة حرّة بين الإقليمين، تشجيع وضمان الاستثمارات تفادياً للازدواج الضريبي، الشروع في الربط البحري بين بلدان الإقليمين، تسهيل منح تأشيرات السياحة والعمل بين هذه البلدان. 

وقبل أن تتحول كل توصيات قمة الرياض والقمم التي سبقتها إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع ستبقى هذه التوصيات مجرد شعارات رنانة تغازل حلم التكتل الذي يراود منذ أعوام طويلة شعوب الدول العربية واللاتينية، أملا في النهوض وتشكيل كيان قوي منافس يسهم في ترسيخ علاقات دولية مبنية على تكافؤ الفرص وتبادل المصالح المشتركة وليس على قاعدة البقاء للأقوى والتي لازالت تتحكم في عدد من القضايا المصيرية لهذه الشعوب التي يتجاوز تعددها الـ 800 مليون نسمة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط