مستقبل الذهب الأسود على طاولة “أوبك” في اجتماع ساخن  

مستقبل الذهب الأسود على طاولة “أوبك” في اجتماع ساخن   

تم/ ولاء عدلان : الأنظار تتجه الجمعة المقبل صوب العاصمة النمساوية فيينا بكثير من الترقب لما سيسفر عنه الاجتماع الدوري لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، لاسيما وسط تكهنات كثيرة بدأت مع حلول الخريف لتحديد مستقبل أسعار النفط التي شهدت هذا العام تراجعا ملحوظا مواصلة مسيرة التراجع بعد أن بلغت ذروتها في منتصف 2014 عندما انخفضت بنسبة 60%. ومن المتوقع أن يبحث أعضاء أوبك خلال هذا الاجتماع سبل وقف نزيف أسعار الذهب الأسود، ووفق تسريبات على لسان وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديل بينو سيعقد وزراء النفط بالمنظمة اجتماعا “غير رسمي” في الثالث من ديسمبر الجاري بناء على طلب السعودية للحديث بصراحة عن وضع السوق وما الذي ستفعله دول المنظمة بخصوص الكميات والأسعار على اعتاب الـ2016. وترى غالبية الدول غير الخليجية في “أوبك” وفي مقدمتهم فنزويلا والجزائر وإيران ونيجيريا ضرورة خفض سقف الإنتاج الحالي لرفع الأسعار خلال العام المقبل إلى مستوى 75 دولارا للبرميل على أقل تقدير، وكان وزير النفط الفنزويلي حذر في تصريحات صحافية على هامش منتدى الدول المصدرة للغاز الذي عقد مؤخرا في طهران من تراجع أسعار النفط إلى مستويات الـ20 او 30 دولارا في 2016، إذا لم تغير أوبك سياستها الإنتاجية انطلاقا من اجتماع ديسمبر. ولا نذيع سرا إذا قلنا إن هذه الدول تحمل السعودية صاحبة نصيب الأسد من انتاج المنظمة والدول الخليجية عموما مسؤولية تدهور الأسعار ما دون مستوى 50 دولارا للبرميل بسبب اهتمامها أكثر بالحفاظ على الحصة السوقية على حساب استقرار الأسعار، إذ ترى السعودية أن الأفضل ترك تصحيح الأسعار لعوامل السوق بدلا من التدخل عبر خفض سقف انتاج المنظمة لضبط السوق بالحد من تخمة المعروض التي بدت واضحة هذا العام مع زيادة إنتاج النفط من خارج دول أوبك بنحو 720 ألف برميل يوميا. تفاؤل “أوبك” وتباين التوقعات لكن أوبك تبدو متفائلة إذ توقعت في تقريرها الشهري الأخير تراجع إنتاج منافسيها العام المقبل للمرة الأولى منذ 2007، بنحو 130 ألف برميل يوميا، نظرا لاتجاه منافسيها إلى خفض الاستثمارات في القطاع النفطي، ما سيحد من تخمة المعروض في الأسواق العالمية ويرفع الأسعار مجددا، وتقدر أوبك احتياجات السوق العالمية من إنتاجها خلال العام المقبل بنحو 30.82 مليون برميل يوميا. ويعد التكهن بمستقبل أسعار النفط أمرا صعبا تحكمه عدة عوامل متغيرة مثل معدل نمو الاقتصاد العالمي ومخاوف تتجدد من وقت لأخر بشأن متانة الاقتصاد الصيني أكبر ثاني اقتصاد في العالم، ومعدلات الإنتاج النفطي وحجم العرض في الأسواق وتطورات الأسواق العالمية مثل سعر الدولار الأميركي، ويزيد من الغموض الذي يكتنف مصير أسعار النفط اضطراب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ودول نفطية مؤثرة مثل العراق، ليبيا، لدرجة دفعت بعض المحللين من التحذير من احتمالات زيادة الإنتاج النفطي لأوبك بحلول 2016 بما يفوق حاجة الأسواق في حال استقرت الأوضاع في العراق وليبيا تزامنا مع رفع العقوبات عن إيران وزيادة إنتاجها من النفط. وفي حين تتوقع أوبك استقرار الأسعار بحلول العام المقبل، أكدت وكالة الطاقة في أغسطس الماضي، استمرار تخمة المعروض من النفوط طوال 2016 وسط زيادة المخزون التجاري العالمي ما يعني زيادة الضغط على أسعار النفط ومزيد من التدهور. وهو ما أكده أيضا مصرف الاستثمار “غولدمان ساكس” في توقعاته الأخيرة لأسعار النفط، إذ قلص توقعاته لسعر خام القياس العالمي مزيج “برنت”  للعام المقبل من 62 دولارا إلى 49.50 دولار للبرميل، كما لم يستبعد أن يتدهور سعر برميل النفط إلى 20 دولارا للبرميل في حال استمرار زيادة المخزونات النفطية. كما خفض بنك “سيتي جروب” الأميركي توقعاته لمتوسط سعر خام “برنت” خلال 2016 إلى 53 دولارا من و6 دولارا في التقديرات السابقة، وخفض أيضا توقعاته لسعر “نايمكس” الأميركي إلى 48 دولارا. فيما توقعت شركة “كامكو” للاستثمار الكويتية، في دراسة حديثة أن يصل متوسط أسعار النفط إلى 67 و 67.5 دولارا للبرميل خلال النصف الأول من 2016، لافتة إلى أن سعر سلة أوبك انخفض في أغسطس الماضي دون مستوى 50 دولارا للبرميل، لكنه سيعاود الارتفاع ملامسا مستوى 65 دولارا بحلول نهاية الربع الأخير من العام الجاري. وأنضم إلى قائمة المتفائلين أيضا بنك “يو بي إس”  العالمي لإدارة الثروات، عندما أكد في تقريره بشأن توقعاته لأسعار النفط للعام المقبل، أن الأسعار ستتعافى بحلول 2016، لتتراوح بين 67-72 دولارا للبرميل. رهانات المملكة هذا التباين في التكهن بأسعار النفط للعام الجديد، يزيد من صعوبة مهمة “أوبك” في اجتماع الجمعة، وتحديدا السعودية والتي يبدو أنها عازمة على الاستمرار في سياسة الإنتاج الحالية من أجل الحفاظ على حصتها السوقية التي بدأت تتقلص خلال الأعوام الأخيرة في بعض الأسواق لحساب منتجين أخرين في مقدمتهم روسيا والعراق. لكن السعودية ستواجه صعوبة في إقناع الأعضاء غير الخليجيين تحديدا فنزويلا والجزائر وإيران بوجهة نظرها، لاسيما وأن المنظمة في أحدث تقاريرها قدرت احتياجات السوق العالمية خلال العام المقبل بنحو 30.82 مليون برميل يوميا، في حين أن معدل إنتاج أوبك الآن هو نحو 31.7 مليون برميل يومياً، ما يعني ضرورة خفض الإنتاج للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب في الأسواق وسط وجود دول أخرى تمد الأسواق العالمية بالنفوط التقليدية وغير التقليدية. السعودية تعول على نمو الطلب العالمي بمستويات تحقق التوازن للأسواق، وعلى ارتفاع تكلفة النفوط غير التقليدية الذي سيجبر الدول المنتجة على خفض انتاج هذا النوع من الطاقة، مثل الولايات المتحدة أكبر مستهلك عالمي للنفط والتي بالفعل خفضت هذا العام من انتاجها للنفط الصخري وهو ما ساعد أسواق النفط على التعافي المتواضع، كما تراهن المملكة على أن يساهم انخفاض الأسعار المستمر منذ أكثر من عام ونصف في الحد من الاستثمارات في القطاع النفطي والذي سيؤثر بدوره على احجام المعروض النفطي من خارج أوبك، بما سيحد من تخمة المعروض. تبدو المملكة واثقة من خطواتها، وعازمة على زيادة انتاجها من جهة لتلبية الطلب المحلي المتصاعد لتوليد الكهرباء، ومن جهة أخرى للحفاظ على حصتها السوقية تحديدا في أسواق آسيا، فضلا عن فتح أسواق جديدة في أوروبا التي تسيطر عليها روسيا منذ عقود طويلة، وفي أكتوبر الماضي أعلنت شركة “بي. كي. إن- أورلين” أكبر شركة لتكرير النفط في بولندا أنها في طور عقد محادثات مع شركة أرامكو السعودية لإبرام عقد لتوريد النفط سيكون الأول من نوعه للتوريد  من المملكة في خطوة قد تقود لمزيد من توسيع حصتها في سوق شرق أوروبا على حساب حصة موسكو، كما تشير المعلومات إلى أن أرامكو تعتزم تسليم شحنة قريبا لشركة تكرير النفط السويدية “بريم” في صفقة البيع الأولى منذ عقدين في واحدة من الأسواق الرئيسية لروسيا. مأزق أوبك وليست المملكة وحدها العازمة على زيادة الإنتاج خلال 2016، فهناك العراق الذي سجل هذا العام أسرع نمو في الإنتاج عالميا، إذ قفز إنتاجه بنحو 500 ألف برميل يوميا بما يعادل 13%، وفي نوفمبر الماضي فقط بلغت صادراته من الخام نحو 3.365 مليون برميل يوميا في المتوسط  مقابل 2.7 مليون برميل في أكتوبر. وإذا كان المحللون يتوقعون أن يسجل العراق زيادة متواضعة من الإنتاج خلال العام المقبل، فهناك إيران التي أكدت على لسان وزيرها للنفط الشهر الماضي أنها ليست بحاجة للحصول على تصريح من “أوبك” لزيادة إنتاجها النفطي في السوق العالمي بمجرد رفع العقوبات الدولية المفروضة في ظل الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مؤخرا مع القوى الدولية، وهناك أيضا ليبيا التي ما أن تستقر الأوضاع السياسية والأمنية فيها ستعاود إنتاجها النفطي بشكل موسع لتعوض ما فاتها. كل المؤشرات تؤكد أن أوبك تحديدا السعودية ودول الخليج لن تخفض الإنتاج من أجل رفع الأسعار على حساب استبقاء وزيادة الحصة السوقية في مواجهة منافسيها، ما يتطلب مزيدا من التنسيق بين أوبك ومنتجي النفط من خارجها لمعالجة أزمة فائض المعروض، حتى لا تدخل الأسعار في منحنى نزولي جديد يأخذها صوب مستويات الـ20 دولارا، وهو مستوى انتحاري لمنتجي النفط. ربما يقول قائل أن الأسعار هبطت خلال عام ونصف إلى أدنى مستوى ممكن أن تصل إليها، وأنها ستبدأ الارتداد الصعودي مع نهاية العام الجاري لتأخذ منحى صاعد خلال النصف الأول من 2016 وتعوض بعض خسائرها طول المدة الماضية، لكن سوق النفط تحكمها عوامل عدة تتغير بين عشية وضحاها وتخرج عن سيطرة الدول المنتجة للنفط بشكل شبه كامل فصعود الدولار كفيل بأن يمارس ضغطا على سعر النفط ويدفعه للهبوط واسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية الأسبوع الماضي كان كفيلا بأن يجدد المخاوف بحرب عالمية جديدة ويدفع الأسعار للارتفاع، وسط مضاربات غير محسوبة من المتعاملين…ما يجعل “أوبك” أمام مأزق حقيقي في اجتماع الجمعة ويضع رهانات السعودية على ارتفاع الأسعار دون خفض سقف الإنتاج على المحك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط