غسل الأيدي بدهن العود الملكي يستثير الكلباني في خطبة #الجمعة

غسل الأيدي بدهن العود الملكي يستثير الكلباني في خطبة #الجمعة

تم – الرياض: اختار الشيخ عادل بن سالم الكلباني، موضوع الإسراف والتبذير، وعنونها بـ”ولا تسرفوا”، لخطبة الجمعة، داخل جامع “المحيسن” في أشبيليا، على خلفية مقطع الفيديو المتداول في أوساط المجتمع السعودي اليومين الماضيين الذي يظهر فيه عدد من الأشخاص، يغسلون أيديهم بدهن العود “الملكي”، واصفاً الفعل بمظاهر الهياط والكفر بالنعمة.

وأكد الشيخ الكلباني، في مستهل الخطبة: أدركت كما أدرك من هم في مثل سني، جزءاً من فقر هذه البلاد، وحاجة أهلها، وأدرك من هم أسن مني شدة الفقر والعوز، وقصص ذلك يعرفها كل شيخ كبير، ويعرفها من هاجر أجدادهم، وارتحلوا طلباً للرزق، وبحثاً عن لقمة عيش يسدون بها رمقهم، ويغنون بها أنفسهم، ويذكر هذه الأحوال من عاش في وقت البلاء بالملاريا والكوليرا، ومن عانى أبوه من شلل الأطفال، أو فقد بصره، أو شوه وجهه بالجدري.

وتساءل: يا ترى: هل يعرف أبناء هذا الجيل؛ ما هو الجدري، أو ما هي الكوليرا؟ ولست أريد في وقفتي هذه أن أسرد قصصاً يعرفها كبار السن، وإن كان يجهلها أكثر أبناء هذا الجيل، ممن ولدوا في أحضان النعيم والترف؛ ولكني أريد الإشارة إلى حال لم يغب طيفها، وما زال كثير من شهودها أحياء يرزقون، تستطيعون أن تستفزوا منهم الذكريات الأليمة التي لم يستطع رغد العيش اليوم، أن يمحو سجلها، وإن محا أثرها.

وأضاف: أمة الإسلام، كانت بلادنا هذه صحراء قاحلة، وكان أهلها ينتظرون في الصفوف الطويلة طلباً للماء، والكساء، ويعانون من الحر، والفقر والعوز، يترقبون وصول أناس ممن نحتقرهم اليوم، ونسخر منهم، من: الهند، أندونيسيا والعراق، وكانوا يبحثون عن الرزق في بلاد الشام التي يتشرد أهلها اليوم، ويعانون الصقيع وزمهرير الشتاء، وكان أهل العراق يظنون أن العراق لا يمكن أن يجوع ومزارعه تحمل الثمرات والتمور، وأنهاره تجري بين ربوعه، وأنتم ترون اليوم، حال العراق وتعلمونها، محذرا: من لم يدرك فقرنا وفاقتنا فلينظر إلى من حولنا، فوالله لقد كنا في زمن مضى أشد منهم فقراً وأشد منهم حاجة.

وتابع: لكنها الأيام، والأيام دول، فكم من فقير اغتنى، وكم من غني افتقر، وكم من ذليل اعتز وكم من عزيز ذل، وجاء في محكم التنزيل: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فإذا تغيرت النفوس من الشكر والحمد والرضا إلى البطر والكبر وكفر النعمة فإن تحول الحال لا يعجز الله شيئاً.

واستشهد في معرض خطبته: اقرأ إن شئت قول الحق: “وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان”، والله ما أشبه هذه القرية ببلادنا اليوم، يأتينا الرزق رغداً من كل مكان، رغداً، ويسيراً، ورخيصًا ووفيراً، جعل أهل البلاد المجاورة لنا يأمنون بلادنا ليتزودوا منها، للفرق الكبير بين أسعارنا وأسعارهم، والخوف كل الخوف من أن ينطبق علينا نصف الآية الآخر وختامها، قال عز من قائل في وصف حال هذه القرية: “فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون”، ووصف سبحانه القرية بالاطمئنان، وهو الدعة وهدوء البال، والأمن والاستقرار، حيث لا طمأنينة بلا أمن، وبلا أمن فإن الخوف والقلق والترقب يملأ القلوب.

وأردف: وقال عنها “يأتيها رزقها رغداً”، وهو من تيسير الرزق وأسبابه، وذلك عنوان الراحة وباب النعيم ، وقال الرسول “مَن أصبحَ مِنكُم آمِنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسَدِهِ، عندَهُ قُوتُ يَومِه، فَكأنَّمَا حِيزَتْ له الدُّنْيا”. رواه الترمذي، فتأمل نعيم الدنيا في هذه الثلاثة التي لم تعد هاجساً لأكثرنا.

وزاد: فقوله سبحانه {رغدا} أي وافرًا هنيئاً، وقال {من كل مكان} تماماً كحالنا اليوم، نأكل الفواكه من كل أصقاع الدنيا، ورأينا أصنافًا لم يرها آباؤنا، ولم يحلم بها مجرد حلم أجدادنا؛ بل لو قلت إن مؤسس هذه البلاد رحمه الله لم يرها لم أبعد النجعة، واليوم، نحن أزهد الناس فيها وفي أنواعها، ولم نعد نقيم وزنًا لما كان بالأمس غاية وأيَّ غاية .

واسترسل موجهاً محور حديثه لسبب اختياره موضوع خطبته قائلاً: أمة الإسلام: فلنحافظ على هذه النعم العظيمة، ولنعض على أمننا ورزقنا بالنواجذ، ولنضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يبدل أمننا خوفاً، أو غنانا فقراً، أو اجتماعنا تفرقاً، وليس الحفاظ على ذلك محدوداً بصد من يفجر أو يكفر أو يفسد في الأرض بالسلاح؛ بل من الخطر الذي يهددنا أيضا ولا يقل عن ذلك سوءاً وتهديداً، ويجب صده ومنعه من يبطر العيش، ويكفر النعمة، ويحارب الله تعالى بالطغيان والترف، والمباهاة والمفاخرة.

وواصل: وأنتم ترون وتسمعون قصصاً يشيب لها رأس التقي، ويتعجب منها الغني، فأعدت الأفراح والأعراس والولائم الباذخة، والمكلفة، وصار كل فريق يزايد على الآخر بما يجلب سخط الله وغضبه، حتى بلغ السيل الزبى فغسلت الأيدي بالعسل ودهن العود، في حين نرى ونسمع عن ليس من خارج بلادنا بل ممن هم في الداخل يبحثون عن ما يسد رمقهم، والله تعالى يقول: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”، فلندمر كل مظاهر الترف وكفر النعمة، وما يسمى بـ”الهياط”، لئلا يعمنا الله بعذابه، ويذيقنا ما أذاق من قبلنا، بل ما أذاق من حولنا، من لباس الجوع والخوف، وهو القائل سبحانه {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما}، والمبذرون والمسرفون هم وقود الفساد وأهله، فإن المبذرين إخوان الشياطين.

واستكمل: أمة الإسلام: إنه ليس بيننا وبين الله نسب ولا قرابة، إن أطعناه أغدق وأنعم، وإن كفرنا أزال وانتقم. وهو القائل عز وجل {لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إنعذابي لشديد}، والتعبير في آية النحل، بلفظ اللباس مخيف جدا، فهو مشعر بأن الجوع والخوف محيطان بأهل القرية من كل جانب، وفي كل حال، وملازمان لهم وأن مبلغهما عظيم، فتأمل قوله {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} فلم يقل فكساها، وهو الأقرب إلى اللباس، ولكنه قال {فأذاقها}، واللباس لا يذاق، فهذا يشعرك بمدى ألم الجوع والخوف الذي أصيبت به القرية، وأن حالها قد تحول تحولاً كبيرًا بعد الترف والنعم .

وبيّن: والتعليل بقوله {بما كانوا يصنعون} يبين أن الله تعالى لم يكن ليظلمهم؛ ولكن أنفسهم كانوا يظلمون، فتبين لهم الحال، وعرفوا الحق؛ ولكنهم تمادوا في الطغيان، وأعرضوا عن الشكر والحمد، وركنوا إلى الدنيا، وظنوا كما ظن صاحب الجنتين حين دخل جنته، وهو ظالم لنفسه، قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً. فكان عاقبة ظنه أن أحيط بثمره، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهذا هو عاقبة الإسراف وجزاء المسرفين، والمسرفون يستسلمون لشهواتهم، ويحرصون على تلبيتها بكل وسيلة، ولا يسعفهم الكسب الحلال النقي في تحقيق تلك الرغبات، فيقودهم إسرافهم إلى النهب والاختلاس والكسب غير المشروع، رشوة وغصباً، وأكلاً لأموال الناس بالباطل .

وأبرز: والمسرفون والمبذرون لا يمكن أن يفعلوا بما استوجب الله عليهم من الإنفاق في سبيله، إذ لا يكون همهم؛ إلا جمع المال وإنفاقه فيما لذ وطاب، من مأكول وملبوس، وتأبى أيديهم أن تبسط لفقير ومحتاج، أو أن يشاركوا في تضميد جراح أمة أو إخوة أو ذوي رحم، ويقودهم الإسراف إلى المباهاة وكفر النعمة، واعتقاد بأن هذا المال من فضلهم على الله أو كما قال قارون إنما أوتيته على علم عندي، أو كما في الزمر {وإذا مس الإنسان ضر دعانا، ثم إذا خولناه نعمة من قال إنما أوتيته على علم، قال الله: بل هي فتنة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون، فأصابهم سيئات ما كسبوا} .

واستطرد: فاتقوا الله أيها الناس، وارعوا نعمته، وحافظوا عليها بشكرها، وبالثناء على المنعم بها، وقفوا سدًا منيعًا في وجه كل عابث، وخذوا على يديه، وإياكم أن تنجروا إلى ما انجر إليه، فإن عاقبة الطغيان وخيمة، وتوعد الله من طغى بوعيد موجز، لكنه من أبلغ التهديد لمن عقل فقال جل من قائل {كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى} ثم جاء التهديد فقال {إن إلى ربك الرجعى} أي ستعود في خاتمة الأمر إلى ربك وسيسألك ويحاسبك على هذا الطغيان وكفر النعم، وما قارون عن الذهن ببعيد، وكم في الواقع من أمثلة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

وفي خطبته الثانية، ذكر: إخوة الدين والعقيدة: استعرض سبحانه في صدر سورة النحل أكثر النعم وأبرزها، ثم قال بعد ذلك: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم، فإن كنا لا نستطيع عد النعم فإنا أعجز من أن نشكرها حق شكرها، وكثير من النعم تغمرنا وتحيط بنا دون أن نشعر بها، أو ندري عنها، وأكثر النعم لا تظهر إلا بعد أن تفقد، وكثيرًا مما نتأفف من اليوم هو غاية المنى عند كثيرين ممن فقدوها، سلوا مخيمات اللاجئين عن أمنياتهم، لن تسمع منهم من يتمنى تلك السيارة أو ذلك القصر أو ذلك المنتجع، سيجيبك إنه يريد رغيفًا يسد جوعته، أو قطعة قماش تستر سوءته، أو لحاف يدفئ بشرته، وغرفة تكنه من الزمهرير، إنها الحياة مختصرة . كما في الحديث آنف الذكر، تختصر في قوت يوم، وأمن وعافية. وهي التي نرفل بها ولله الحمد والمنة .

واستأنف: ابتلينا بقوم يريدون نزع هذه النعم منا، بعضهم بالسلاح والتهديد، وبعضهم بالترف والطغيان والتفاخر، وكلٌ خطرٌ علينا، وواجب أن نواجههم بكل قوة وحزم، وأن لا ندع لهم فرصة كي ينقضوا غزلنا ، ويقيضوا أمننا، ويفقروا أهلنا.

وأوضح: أمة الإسلام: وفي سورة النحل قال تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} وقال في السورة نفسها {أفبنعمة الله تجحدون} وفيها {أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون} وفيها {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} وفيها امتدح الله نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام فقال عنه {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه} . وقال بعد ذلك خطابا لنبيه ومصطفاه ﷺ: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} فلما كان إبراهيم عليه السلام شاكر الأنعمه، اقتفى أثره حبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم، وعلل قيامه بالليل مع مغفرة الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر بقوله: أفلا أكون عبدًا شكورا. وامتدح الله نوحاعليه السلام بقوله: إنه كان عبدًا شكورا، وذكر عيسى عليه السلام فقال له: {أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} .

وأفاد: في المقابل فإن الله تعالى وصف ألد أعدائه من الإنس وهو فرعون فقال عنه {إنه كان عاليا من المسرفين}، ولهذا يأنف المترفون عن قبول النصح؛ بل يزدادون بها علواً وفساداً، ويعرضون عنها ظلماً واستكبارًا، فاتقوا الله عباد الله، واحذروا نقمته، وتجنبوا أسباب سخطه وعذابه، وتذكروا قوله {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعده إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين} .

وختم محذراً: فمن المحتم علينا أن نقتفي الآثار، ونسير على النهج النبوي، فنشكر ولا نكفر، ونثني ولا نسخط، ونستعمل نعم الله فيما يرضيه، ويقربنا إليه، ونحذر كل الحذر من أن تكون النعم سبباً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط