شيعة المملكة يغارون على الوطن ضد المشاريع الإقليمية الطائفية

شيعة المملكة يغارون على الوطن ضد المشاريع الإقليمية الطائفية
تم – الأحساء
يحرص الخطاب الفقهي والثقافي للشيعة في المملكة على التأكيد من وقت لأخر على أهمية المشاركة والعمل في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يخدم الوطن ويعزز الوحدة الوطنية، دون أي تمايز أو استقلالية عن فئات المجتمع الأخرى، وبعيدا عن أي ارتباط من أي نوع خارج المملكة، إلا في إطار العلاقة الفقهية الدينية التي تقتضيها الضرورات التعبدية كالأحكام الفقهية.
وقال الباحث والكاتب جعفر الشايب في تصريحات صحافية، إن الدور الوطني لا يقتصر على فئة دون أخرى من المواطنين، فالكل معني بالتفاعل والتضامن في مختلف القضايا التي لها علاقة بأمن الوطن ومستقبله وتطلعات أبنائه، وذلك لا يعني بالطبع التطابق المطلق حول مختلف القضايا بين مكونات المجتمع، فقد تكون هناك آراء ومواقف متباينة يفرضها الفهم المتعدد ومنطلقات التفكير والمصالح الخاصة.
ويتابع لا أرى أن هناك انفصالا في مختلف المواقف بين المواطنين الشيعة عن شركائهم من بقية المواطنين حول مختلف القضايا التي نمر بها، ولا اعتقد أن الاختلاف المذهبي يشكل مبررا وسببا لاتخاذ موقف معين، إلا أن يكون نابعا من رؤية سياسية تراعي المصلحة الوطنية العامة أولا.
وأضاف الشايب مع أن المواطنين الشيعة واجهوا ولا يزالوا يواجهون تهديدات متكررة من الجماعات الإرهابية بشكل عام، إلا أن جميع مواقفهم تجاوزت ردود الفعل الفئوية، وحولوا الأحداث التي مرت بهم إلى مناسبات للدعوة للتواصل والحوار وتعزيز اللحمة الوطنية، وعدم إتاحة الفرصة أمام الجماعات الإرهابية والاتجاهات المتشددة لشق الصف الوطني.
وفي محاولة لمعالجة التوتر الناشئ من تصاعد المد الطائفي في المنطقة، كتب العديد من المثقفين الشيعة دراسات تعالج هذه المشكلة، سواء من الناحية السياسية أو الفكرية والمذهبية، داعين إلى تجاوز الخلافات المذهبية وتعزيز التواصل البيني والحوار الوطني، كما نظموا مجموعة من المبادرات الاجتماعية كتشكيل “لجنة التواصل الوطني” التي تعنى بتنظيم زيارات ولقاءات متبادلة لمختلف مناطق المملكة، وتنظيم ملتقيات ومنتديات ثقافية تستضيف شخصيات من مختلف المناطق لتنظيم العلاقة بين المثقفين وصناع الرأي، وإصدار كتابات مشتركة حول قضايا وطنية متعددة كالحوار المذهبي في السعودية، ورؤى في الوحدة الوطنية.
فيما أوضح الشيخ محمد الحرز في تصريحات رصدها تحقيق لإحدى الصحف المحلية، أن الطائفة مكون أساسي من مكونات المجتمع السعودي، لا تنفك تمد الفرد بالكثير من العناصر التي تشكل هويته في إطارها العام، وبالنسبة للنظرية الاجتماعية هو أمر لا ينظر إليه بوصفه طارئا على الهوية، أو عنصرا خارجيا لا يرتبط بموروث عريق، قد عرفته الشعوب جميعها منذ عهد قديم، لذلك لا بد من الحديث عن الطائفة باعتبار ما تمثله من موروث في تاريخنا الإسلامي، وعلى هذا المنوال لم تكن العلاقات الاجتماعية بين الطوائف تتسم بالاضطراب أو الاحتراب، إلا بمقدار ما تتحول الطائفة إلى طائفية، أي بمقدار ما تتوغل السياسة في حياة الطائفة، وتصبح حياة الفرد داخل نطاق طائفته مرهونة أو مخطوفة على الأصح، بما يحدثه مثل هذا التوغل من نتائج عكسية سلبية تؤثر على مجمل العلاقات المختلفة بين الطوائف، ناهيك بالطبع عما يتبع ذلك من توظيف سياسي في كل شؤون الطائفة صغيرة كانت أو كبيرة.
 
وأضاف بالنسبة للمجتمع السعودي، فإن فكرة التعايش التي هي أدنى من فكرة المواطنة، وأرفع من فكرة المصالح المشتركة، هي الناظمة لحياة هذا المجتمع، والمتحكمة في الكثير من علاقاته وسلوكياته، سواء كان ذلك من جانب الطائفة السنية، أو الشيعية.
واتفق معه الشيخ عادل بوخمسين لافتا إلى ركائز ثلاث رئيسة تشكل المجتمع، هي الأرض التي يعيش عليها الإنسان وتعد موطنا له ولمجتمعه وشعب بلاده، والمواطنون الذين يسكنون هذه الأرض بكل أطيافهم وأعراقهم ومذاهبهم، والحاكم الذي ارتضاه الشعب ونصبه، ليدير أمورهم ويلبي حاجاتهم، والنظام الذي به تدار البلاد والعباد ويلتزم به الجميع، ووفق هذه الركائز الثلاث لتعريف الوطن تتشكل معالم المواطنة، التي هي حق لكل من ولد على هذه الأرض وهو يغرس منظومة متكاملة لعمارة هذا البلد، تنطلق من الفطرة الإنسانية في حب الوطن الذي عاش فيه الإنسان، وكذلك من منطلق الدين الذي يؤكد أن حب الوطن من الإيمان، وهذا الحب لا يقتصر على الحالة العاطفية بل يترجم عمليا في صور عدة.
واكد في هذا السياق أن الاختلاف المذهبي بين الناس في هذا الوطن هو تفرع يثري الاختلاف الفقهي والثراء المعرفي والخصوصية المذهبية لكل فئة ولا يتعارض مع الانتماء للوطن بل يعززه، شرط احترام الجميع من أصحاب المذاهب للنظام والدستور والوفاء بالالتزامات الوطنية، واحترام الآخر المختلف مذهبيا وفكريا، وعدم المساس برموزه ومقدساته ومعتقداته، فالجميع سواسية تحت ظل النظام الذي ينظم أمورهم ويحمي مصالحهم والحريات الشخصية والمذهبية والحقوق الخاصة والعامة .
من جانبه أكد المفكر جهاد الخنيزي أن الشيعة يعيشون داخل نطاق مفهوم واقعي عن الوطن، باعتباره مكانا أبديا للعيش وإظهار المواهب الإنسانية في إطار مجتمع الدولة، ويمكن ملاحظة هذا التوصيف من خلال التصورات الأولية التي تتركز داخل الوعي، باعتباره ممثلا عن القناعة بالوجود المشترك والفاعل الذي يظهره الشيعة داخل كيان الدولة الوطنية، ومن أهمها القناعة بواقعية النظام السياسي الحاكم والجامع، المتمتع بكامل الشرعية، الذي ظهر في العلاقة الأولى بين القيادات الشيعية والملك عبدالعزيز، حيث بنيت على قبول الطرفين، ما حقق استقرارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وأوجد قدرة على التواصل الدائم استمرت طوال عهود الملوك السعوديين.
وأضاف أن الطائفة الشيعية لديها حرص على المثالية في الإنجاز والحقوق للدولة كقيمة عليا داخل الدولة، وهذا مستمد من رؤية شرعية لفقهاء الشيعة السعوديين، التي ترتبط بحفظ النظام والمجتمع معا كوظيفة أساسية للمكلف، فالدولة هي سلطة عليا للفضيلة السياسية، وتقوم على تحقيق أعلى مستوى من الإنجاز عبر الجمع بين حقانية الفرد وحقانية المجتمع، ولرموز الطائفة الشيعية قدرة على الضبط الاجتماعي لأفراد الطائفة، استنادا إلى رؤية شرعية حول قيمة الحكم الوطني للقيادة والالتزام بالتعاقد السياسي الذي يتم تجديده بين المواطنين والدولة.
ويرى الخنيزي أن ممارسات الشيعة السلمية لتقديم مطالبهم من داخل مؤسسات الدولة، وتوجيه عملية النقد نحو الإصلاح، لا الهدم، وعدم الإضرار بالوحدة الوطنية الجامعة، هي مهمة قام بها علماء ووجهاء ومثقفون شيعة، وأوجدت أرشيفا تاريخيا يوضح هذه المنهجية القابلة للدراسة والبحث كنموذج وطني، مضيفا نستطيع بهذا فهم كيف يندمج الشيعة في الوطن بسهولة، ونستوعب تماهيهم مع فهم الدولة للمشاركة الوطنية التي تريدها، كما نستطيع فهم الانفصال الذي يقيمه شيعة المملكة عن المشاريع الإقليمية الطائفية التي تنبش لتفتيت الوطن الواحد تحت مزاعم المظلومية.
 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط