هل أتاك نبأ البلعاميين ؟

هل أتاك نبأ البلعاميين ؟

خاص لـ”تم” – د أحمد بن جزاع الرضيمان :

ذكر المفسرون أن رجلاً اسمه: (بلعام) كان عالماً، آتاه الله آياته، لكنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، واتبع هواه، فانسلخ من آيات الله، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

وقوله تعالى في الآية: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} دليل على أن الرفعة ليست بمجرد العلم بآيات الله، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره، وقصد مرضاة الله، وإلا فإن هذا الذي لم يرفعه الله، كان من أعلم الناس في زمانه.

فعلى كل مسلم آتاه الله علماً ، أن يحذر الانسلاخ من آيات الله ، لئلا يكون على طريقة البلعاميين الذين أتبعهم الشيطان ، فجعلهم من الغاوين ، وعليه أن يعتصم بالله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، فمن اعتصم بالله، وجمع بين الهدى (العلم النافع) ودين الحق (العمل الصالح)، كان من الراسخين، الذين لا تستفزهم الشبهات، فالراسخ في العلم كما يقول ابن القيم – (لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكاً، لأنه رسخ في العلم، فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه، ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة).

لكن الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح العلم والإيمان الراسخ.

فالشبهات خطافة، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، والعاقل لا يجعل دينه عرضة للخصومات، ولا يخوض في آيات الله مع الخائضين، حتى وإن كان ذلك الخوض تحت شعار: الرأي والرأي الآخر، وغيرها من الشعارات البراقة، فالعبرة بالحقائق وليس بالشعارات.

وربنا أصدق قيلاً، وقد قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، ورسولنا هو أنصح الخلق، وأعلم الخلق، وقد قال عليه الصلاة والسلام (من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات) صححه الحاكم والألباني، فالعافية لا يعدلها شيء، والسلامة من الدجاجلة في كل عصر غنيمة، فمن سمع بهم فلينأ عنهم، اللهم إلا من كان راسخاً في العلم والإيمان، فإنه يتعين عليه كشف الشبهات، وإبطالها.

إن من المؤسف أن بعض من آتاهم الله آياته استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فأقبلوا على ما يضرهم ولا ينفعهم من كلام أهل الأهواء والمتفلسفة، ثم تقيؤا ذلك سماً زعافاً.

وكلما كانت العبارات أشد تعقيداً، كانوا أكثر احتفاءً بها، مع أن تلك العبارات كما يقول شيخ الإسلام: (هي من باب القعقعة بالشَّنان لمن يفزعه ذلك من الصبيان).

وكثير ممن وقع في تلك القعقعة والفلسفة ندم عليها، فمنهم من أراد أن يتقيأها فلم يستطع، كما قال أبو بكر العربي عن شيخه أبي حامد الغزالي: (شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة، فأراد أن يتقيأها فما استطاع)، ومنهم من أعلن رجوعه عنها، كالفخر الرازي حيث قال: (لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن… إلى أن قال: ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي).

وبعض من آتاهم الله آياته، أصابهم الغرور والإعجاب، وحب طيران السمعة في الآفاق، فكان عاقبة أمرهم خسراً.

فنسأل الله أن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا

تعليق واحد

  1. جمال الدين مصطفى

    ممتاز ربنا يوفقك ويسدد خطاك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

احجز اسمك عبر "تسجيل عضوية" لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات.

التعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط